إسطنبول بعين المعمار سنان: من عمود قسطنطين إلى السليمانية وقناطر فالنس

نزهة معمارية في قلب إسطنبول القديمة: بدستان الجواهر في البازار الكبير، وسوق الكتب وجامع بايزيد، ثم صعود إلى تحفة سنان وضريحه، وكأس بوزا في حي وفا

Istanbul · 11 stops · 25 دقيقة صوتية · Generated

  1. 1. عمود قسطنطين (جمبرلي طاش): الحجر المطوَّق

    Molla Fenari, Vezirhan Cd., Çemberlitaş, Fatih/İstanbul, Türkiye

    قف عند هذا العمود الداكن الذي يشق زحام شارع الديوان، وانظر إلى الأطواق المعدنية التي تلفه كأحزمة حول خصر عملاق متعب. الترام يمر بجانبك، وباعة السميط ينادون، والناس يعبرون دون أن يرفعوا رؤوسهم. لكن هذا الحجر الأرجواني المسوّد هو أقدم شاهد قائم على ولادة المدينة التي ستعرفها الدنيا لاحقاً باسم إسطنبول.

    أقام الإمبراطور قسطنطين الكبير هذا العمود سنة 330 للميلاد، في الأيام التي دشّن فيها عاصمته الجديدة على البوسفور، والتي ستحمل اسمه: القسطنطينية. كان العمود يتوسط ساحة بيضاوية واسعة تحيط بها الأروقة، تُعرف بمنتدى قسطنطين، وأسطواناته من حجر البورفير الأرجواني، وهو حجر نادر كان يُستخرج من الصحراء الشرقية في مصر، وكان لونه حكراً على الأباطرة. وفي القمة وقف تمثال للإمبراطور في هيئة إله الشمس، على رأسه تاج من الأشعة.

    وهنا تبدأ الأساطير. يقول الرواة البيزنطيون إن قسطنطين دفن تحت قاعدة العمود ذخائر مقدسة: قطعة يقال إنها من الفأس التي صنع بها نوح سفينته، وبقايا من السلال التي أطعمت الجموع، وتمثالاً قديماً جُلب من روما ليحرس المدينة كما حرس طروادة من قبل. لم يتحقق أحد من ذلك، ولم يحفر أحد ليعرف... وربما كان هذا أجمل ما في الحكاية. ويذكر مؤرخ قديم أن بعض الناس كانوا يوقدون الشموع والبخور أمام تمثال الإمبراطور كأنه قديس يحرس المدينة، وهو أمر أغضب رجال الدين في عصره.

    لكن الزمن لم يرحم هذا العمود. في سنة 1106 أسقطت عاصفة عنيفة التمثال من القمة، فوضع البيزنطيون مكانه صليباً. ومع الزلازل تشققت الأسطوانات فلُفّت بالأطواق، ومن هنا جاء اسمه التركي جمبرلي طاش، أي الحجر المطوَّق. وفي سنة 1701 دعم العثمانيون قاعدته بكتلة حجرية ضخمة ما زالت تراها، ثم جاء حريق 1779 الذي اجتاح الحي فسوّد الحجر، فسماه الأوروبيون العمود المحروق. كان العمود في الأصل أعلى بكثير، أما اليوم فيرتفع نحو خمسة وثلاثين متراً.

    تأمل هذا التحول وحده: عمود رفعه إمبراطور روماني تمجيداً لنفسه، صار اسمه تركياً، وصار علامة يتواعد عندها الناس في قلب المدينة القديمة. والآن ابتعد عن خط الترام وسر بضع خطوات نحو الشمال، حيث تظهر بوابة حجرية فخمة تقودك إلى جامع لا يشبه أي جامع آخر في إسطنبول.

  2. 2. جامع نور عثمانية: الباروك يدخل إسطنبول

    Molla Fenari, Vezirhan Cd., Nuruosmaniye, Fatih/İstanbul, Türkiye

    ادخل من البوابة الحجرية إلى الفناء، وتوقف لحظة. لاحظ أن الفناء ليس مربعاً كما اعتدت في الجوامع العثمانية، بل ينحني حولك على شكل حدوة حصان، وأن الأقواس والأفاريز تتموج بخطوط ناعمة غير مألوفة. وفوقك قبة واحدة عظيمة، تحتها جدران مثقوبة بالنوافذ، كأن الجامع كله صُمم ليمتلئ بالضوء.

    هذا جامع نور عثمانية، وقصته قصة سلطانين. بدأ بناءه السلطان محمود الأول سنة 1748، لكنه توفي قبل أن يكتمل، فأتمه أخوه عثمان الثالث سنة 1755، ومنحه اسماً يحمل اسمه: نور عثمانية، أي نور عثمان. تخيل ورشة البناء في تلك السنوات: عربات الحجارة تشق الأزقة الضيقة، والحمالون يصعدون بالرخام، والتجار يطلون من دكاكينهم يراقبون القبة وهي ترتفع يوماً بعد يوم فوق رؤوسهم. سبع سنوات من العمل في قلب المدينة التجارية، بين الخانات والأسواق، وسط ضجيج لا يهدأ.

    والمفاجأة أن هذا أول جامع سلطاني كبير على طراز الباروك العثماني. في تلك الأيام كانت إسطنبول تنظر بفضول إلى أوروبا، إلى قصور فرنسا وكنائس إيطاليا بزخارفها المنحنية وأوراق الأكانثوس الملتفة. فأخذ البناؤون العثمانيون هذه اللغة الجديدة وصاغوها بروح إسلامية خالصة. وينسب كثير من المؤرخين التصميم إلى معلم بناء رومي من أهل المدينة اسمه سيمون كالفا، وفي ذلك إشارة جميلة إلى أن إسطنبول بُنيت دائماً بأيدي أهلها جميعاً.

    ارفع نظرك إلى الإفريز تحت القبة: الخط العربي يجري في شريط طويل حول القاعة، لكن الزخارف من حوله لا تشبه شيئاً مما ستراه بعد قليل في جوامع سنان. القبة واسعة، يقارب قطرها خمسة وعشرين متراً، وتحملها أربعة أقواس هائلة. ولم يكن الجامع وحده، فقد أُلحقت به مكتبة ومدرسة وسبيل وضريح، على عادة المجمعات العثمانية التي تجمع العبادة والعلم والخير في مكان واحد.

    واللطيف أن هذا الجامع يقف على باب السوق تماماً، كأنه حارس روحي لواحد من أقدم الأسواق المسقوفة في العالم وأكبرها. ففي الطرف الآخر من الفناء تنتظرك بوابة نور عثمانية، إحدى أشهر بوابات البازار الكبير. ولاحظ أن هذا الفناء غير المألوف صار ممراً يومياً لآلاف الناس، يختصرون به الطريق بين ساحة جمبرلي طاش وأبواب السوق. اخرج إليها، وادخل السوق، وامش في الممر المستقيم أمامك حتى تبلغ قلبه الحجري القديم.

  3. 3. بدستان الجواهر: الخزنة التي ولد منها البازار الكبير

    Kapalıçarşı, Cevahir Bedesteni Sk., Beyazıt, 34116 Fatih/İstanbul, Türkiye

    أنت الآن تحت قباب حجرية منخفضة، والضوء يتسلل من نوافذ صغيرة عالية، وحولك واجهات زجاجية تلمع فيها الأساور والساعات القديمة والخناجر المرصعة وسبحات الكهرمان. ضجيج السوق يخفت قليلاً في هذا الركن. هذا بدستان الجواهر، أو البدستان القديم، القلب الأصلي الذي نما حوله البازار الكبير كله.

    بناه السلطان محمد الفاتح بعد سنوات قليلة من فتح القسطنطينية، في ستينيات القرن الخامس عشر. مبنى متين بخمس عشرة قبة، وجدران سميكة، وأبواب حديدية ثقيلة تُغلق كل مساء. وكانت وظيفته أقرب إلى الخزنة منها إلى السوق: هنا كان التجار يحفظون الأقمشة الثمينة والمجوهرات والأسلحة الفاخرة، بل كان الأغنياء يودعون أموالهم وصكوكهم لدى تجاره الموثوقين، كأنه مصرف المدينة قبل أن تعرف المدينة المصارف.

    ثم حدثت المعجزة الصغيرة: حول هذه الخزنة الحجرية أخذت الدكاكين تتكاثر، والخانات تُبنى، والأزقة تتشعب، حتى صارت المنطقة كلها مدينة مسقوفة لها شوارعها ومساجدها وسبلها ومقاهيها. اليوم يضم البازار الكبير آلاف المحلات وعشرات الممرات، وكان كل ممر في الأصل مخصصاً لحرفة واحدة: الصاغة في شارع، وصانعو القلانس في شارع، وتجار السجاد في آخر. وما زالت أسماء الشوارع تحفظ تلك الحرف حتى اليوم. وحول السوق تقوم الخانات القديمة، مبان بأفنية داخلية كان التجار القادمون من فارس وحلب والبلقان ينزلون فيها مع بضائعهم ودوابهم، يبيعون ويشترون ثم يواصلون السفر.

    لكن هذه المدينة المسقوفة عرفت المحن. فقد ضربتها الحرائق والزلازل مرات عديدة، وكان من أشدها زلزال 1894 الذي هدم أجزاء كبيرة منها، فأعيد بناؤها وترميمها، وتبدلت خريطتها قليلاً في كل مرة. وكان للسوق نظام صارم: طوائف للحرف، وشيخ لكل صنعة، وأبواب تُغلق ليلاً ويحرسها الحراس. ويروى أن التاجر الذي يغش في بضاعته كان يُفضح أمام أهل صنعته، فالسمعة هنا كانت رأس المال الحقيقي.

    ألق نظرة أخيرة على هذه الواجهات الصغيرة، فبعض الدكاكين تنتقل من الأب إلى الابن منذ أجيال، والمساومة هنا فن قائم بذاته، يبدأ بكوب شاي وينتهي بابتسامة. وإن ضعت قليلاً فلا بأس، فالضياع هنا جزء من المتعة. والآن تابع غرباً عبر الممرات نحو بوابة بايزيد، واخرج من السوق إلى ساحة صغيرة ظليلة تفوح منها رائحة الورق القديم.

  4. 4. سوق الصحافين وجامع بايزيد: الكتب والحمائم

    Beyazıt, Sahaflar Çarşısı Sk., 34116 Fatih/İstanbul, Türkiye

    اعبر البوابة الصغيرة، وها أنت في فناء ظليل تحيط به دكاكين الكتب من كل جانب: مصاحف مذهبة، ومخطوطات مزخرفة، وكتب مستعملة بالتركية والعربية والفارسية، وخرائط قديمة معلقة على الواجهات. وفي الوسط تمثال نصفي لرجل يعتمر عمامة، والباعة يجلسون أمام دكاكينهم يتحدثون كأنهم في مجلس أدب، ورائحة الورق القديم تملأ المكان.

    هذا سوق الصحافين، أي باعة الكتب، والكلمة نفسها عربية الأصل كما تلاحظ. وهو من أقدم أسواق الكتب في المدينة، استقر في هذا الفناء بجوار الجامع منذ أكثر من قرن، وكان ملتقى الطلاب والعلماء القادمين من المدارس المحيطة. أما التمثال النصفي فهو لإبراهيم متفرقة، الرجل الذي أسس أول مطبعة يديرها مسلم وتطبع الكتب التركية بالحروف العربية، وقد صدر أول كتبها سنة 1729، وكان قاموساً.

    وخلف السوق يرتفع جامع بايزيد الثاني، فانظر إلى قبته وإلى مئذنتيه المتباعدتين على طرفيه. بُني بين عامي 1501 و1506، وهو أقدم جامع سلطاني باق في إسطنبول بشكله الأصلي تقريباً، لأن جامع الفاتح الأول تهدم في زلزال القرن الثامن عشر وأعيد بناؤه. وهنا ترى حواراً واضحاً مع آيا صوفيا: قبة كبرى تسندها نصفا قبتين على المحور، كأن المعماريين كانوا يتمرنون على السؤال الذي سيجيب عنه سنان بعد نصف قرن.

    ويسمي بعض أهل المدينة هذا المكان جامع الحمام، لكثرة الحمائم التي تملأ فناءه. وتقول الحكاية إن السلطان بايزيد اشترى زوجاً من الحمام من امرأة فقيرة وأوقفه على الجامع، فتكاثرت ذريته جيلاً بعد جيل. لا أحد يستطيع أن يثبت ذلك، لكن الحمام هنا لا يبدو مستعداً للرحيل... ومن حوله كانت المدارس والحمام والمطبخ الخيري، فصار الجامع والسوق والعلم عالماً واحداً متصلاً. واليوم ترى الطلاب يجلسون على درجات الفناء بين المحاضرات، وكبار السن يطعمون الحمام، وباعة السبح والكعك يجوبون المكان كما كانوا يفعلون قبل قرون.

    خذ وقتك بين الكتب إن شئت، فقد تعثر على ديوان قديم لشاعر نسيته الدنيا، أو على مصحف خطه خطاط مجهول قبل قرنين. ثم اخرج من الطرف الآخر إلى الساحة الواسعة، وتوجه نحو البوابة الكبيرة ذات الطابع المشرقي، التي تقف كأنها مدخل قصر من حكايات ألف ليلة وليلة.

  5. 5. ساحة بايزيد وبوابة جامعة إسطنبول: من منتدى روماني إلى حرم جامعي

    Beyazıt Meydanı, Beyazıt, 34116 Fatih/İstanbul, Türkiye

    أنت الآن في ساحة بايزيد، أوسع ساحات المدينة القديمة، والحمام يحلق فوقك والطلاب يعبرون بحقائبهم. أمامك بوابة ضخمة ذات قوس عظيم في الوسط، تعلوها زخارف وكتابات، ومن خلفها برج حجري عال نحيل يرتفع فوق الأشجار. هذه بوابة جامعة إسطنبول، لكن قصتها بدأت قبل الجامعة بزمن طويل.

    تحت قدميك ترقد واحدة من أكبر ساحات القسطنطينية، منتدى ثيودوسيوس، الذي أنشأه الإمبراطور ثيودوسيوس الأول في أواخر القرن الرابع. وما زالت بقاياه ظاهرة على جانب الشارع القريب: أعمدة منقوشة بشكل غريب يشبه جذوع الأشجار أو عيون الطاووس، وقطع من قوس نصر قديم تراكمت فوقها طبقات المدينة. وكان في وسط المنتدى عمود ضخم يحمل تمثال الإمبراطور، على غرار عمود قسطنطين الذي بدأت عنده، تلتف حوله نقوش تروي انتصاراته. وكثيراً ما ظهرت آثار جديدة كلما حُفرت الأرض هنا لمد خط أو بناء جدار.

    بعد فتح المدينة سنة 1453، اختار السلطان محمد الفاتح هذا التل ليبني عليه قصره الأول، الذي عُرف لاحقاً بالقصر القديم، قبل أن ينتقل البلاط إلى قصر طوب قابي على رأس شبه الجزيرة. وبقي القصر القديم زمناً طويلاً مأوى لنساء القصر بعد وفاة السلاطين، حتى سماه بعضهم قصر الدموع. وفي سنة 1826، بعد أن ألغى السلطان محمود الثاني فرقة الإنكشارية، جعل المكان مقراً لقيادة جيشه الجديد.

    أما البوابة التي تراها فقد شُيدت في ستينيات القرن التاسع عشر لتكون مدخل وزارة الحربية، بطراز مشرقي فخم يمزج الأقواس الإسلامية بذوق أوروبي. والبرج الحجري خلفها هو برج بايزيد، الذي بني سنة 1828 لمراقبة الحرائق. فقد كانت إسطنبول مدينة من الخشب تلتهمها النيران، وكان الحراس يقفون في أعلاه ليلاً ونهاراً، ويقال إنهم إذا لمحوا دخاناً علقوا سلالاً في النهار أو أضاءوا مصابيح في الليل تدل على جهة الحي المشتعل.

    وفي العهد الجمهوري صار المبنى مقراً لجامعة إسطنبول، فتحولت قاعات الحرب إلى قاعات للدرس، وهي مفارقة تستحق الابتسام، وما زالت الساحة مسرحاً لحياة الطلاب: نقاشات وكتب وأحلام كبيرة. والآن اترك الساحة واصعد نحو الشمال في الشارع المحاذي لسور الجامعة. الطريق يرتفع، فخذ أنفاسك على مهل، لأن في أعلى التل تنتظرك أعظم تحف المعمار سنان.

  6. 6. جامع السليمانية: تحفة سنان على التل الثالث

    Süleymaniye, Prof. Sıddık Sami Onar Cd. No:1, 34116 Fatih/İstanbul, Türkiye

    ادخل الفناء الكبير وتوقف بين الأعمدة. أمامك نافورة رخامية في الوسط، وحولك رواق من القباب الصغيرة تحمله أعمدة من الغرانيت والرخام، يقال إن بعضها جُلب من مبان قديمة في المدينة. وفي الأركان أربع مآذن نحيلة، وفوق كل ذلك تتدرج القباب كأنها جبل من الرصاص يصعد نحو قبة واحدة.

    هذا جامع السليمانية، شيده المعمار سنان للسلطان سليمان القانوني بين عامي 1550 و1557. ترتفع قبته نحو ثلاثة وخمسين متراً، ويقارب قطرها ستة وعشرين متراً ونصف المتر. أما المآذن الأربع فتحمل عشر شرفات، ويقال إن العدد مقصود: فسليمان رابع سلاطين بني عثمان في إسطنبول، وعاشر السلاطين في سلالته. أرقام صغيرة تحولت إلى حجر.

    ادخل قاعة الصلاة، وانظر كيف يتسع الفضاء دون أن يضيع. لم يكن سنان يريد أن يقلد آيا صوفيا، بل أن يحاورها: القبة الكبرى تستند إلى نصفي قبتين، لكن الجدران تبدو أخف، والنوافذ أكثر، والضوء أنقى. ويروى أنه عالج الصوت بعناية، فوضع في القبة جراراً فارغة تساعد على توزيعه حتى يبلغ صوت الإمام آخر الصفوف. ويروى كذلك أنه صمم مجاري هواء تسحب دخان مئات القناديل إلى غرفة فوق المدخل، حيث يتجمع السخام فيُصنع منه الحبر للخطاطين.

    ولهذا الجامع حكاية تحبها إسطنبول. يقال إن الشاه الصفوي أرسل إلى السلطان جواهر ثمينة مع رسالة ساخرة تلمح إلى أنه قد يحتاج إلى المال ليكمل بناءه. فأمر سليمان بأن تُطحن الجواهر وتُخلط بملاط إحدى المآذن، رداً صامتاً على السخرية. لا يمكن التحقق من القصة، لكنها تقول شيئاً حقيقياً: كان هذا الجامع إعلان قوة، لا مجرد مكان للصلاة.

    ولم يكن الجامع وحده، فحوله مجمع كامل: مدارس للعلوم الشرعية والطب، ومستشفى، وحمام، ومطبخ خيري يطعم الفقراء، ومكتبة ما زالت تحفظ آلاف المخطوطات. كانت السليمانية مدينة علم ورحمة على قمة التل. وقبل أن تتابع، قف لحظة عند الشرفة الواسعة على الجانب الشمالي من الجامع، فمنها ترى القرن الذهبي وغلطة ومدخل البوسفور في مشهد واحد، وتفهم لماذا اختار سليمان هذا التل. والآن اخرج من الباب الجانبي ودر حول الجامع إلى الحديقة خلف جدار القبلة، حيث يرقد السلطان الذي حمل الجامع اسمه.

  7. 7. ضريحا سليمان القانوني وخُرَّم سلطان

    Süleymaniye, Prof. Sıddık Sami Onar Cd., 34116 Fatih/İstanbul, Türkiye

    تمشي الآن بين شواهد القبور تحت أشجار الحديقة، وأمامك بناءان ثمانيا الأضلاع، متقاربان كأنهما يتحادثان بصوت خافت. الأكبر، المحاط برواق من الأعمدة، هو ضريح السلطان سليمان القانوني. والأصغر بجواره ضريح زوجته خُرَّم سلطان. اقترب بهدوء، وألق نظرة من الباب إن كان مفتوحاً.

    مات سليمان سنة 1566 وقد تجاوز السبعين، لا في قصره، بل في خيمته أثناء حصار قلعة سيكتوار في المجر. وهنا تبدأ واحدة من أغرب حكايات التاريخ العثماني: أخفى الصدر الأعظم صقللي محمد باشا خبر وفاته عن الجيش أسابيع، حتى لا تنهار المعنويات قبل سقوط القلعة، وحتى يصل ابنه سليم إلى العرش بأمان. وظلت العربة السلطانية تسير مع الجيش، والجنود يظنون أن سلطانهم ما زال حياً بداخلها.

    في الداخل، تغطي جدران ضريحه بلاطات إزنيق الملونة، وتحت القبة يرقد مع ابنته مهرماه وعدد من أفراد أسرته، بينهم سلطانان جاءا بعده. يلقبه الأوروبيون بالعظيم، أما في بلاده فهو القانوني، لأنه نظم القوانين وجمعها في عهد امتد ستة وأربعين عاماً، وهو أطول عهد في تاريخ الدولة. وكان شاعراً أيضاً، كتب ديوانه باسم مستعار هو محبّي. وفوق التوابيت عمائم بيضاء كبيرة، علامة على مقام أصحابها، وفي الحديقة من حولك شواهد لعلماء ووزراء أرادوا أن يجاوروا سلطانهم حتى بعد الموت.

    أما خُرَّم فقصتها أشبه برواية. جاءت من بلاد الروثينيين، في أوكرانيا اليوم، أسيرة إلى قصر إسطنبول، وعرفها الأوروبيون باسم روكسيلانة. لكنها لم تبق جارية: فقد أعتقها سليمان وتزوجها زواجاً رسمياً، في سابقة لم يعرفها القصر منذ زمن بعيد، وبقيت رسائلهما المتبادلة شاهداً على مودة حقيقية. ماتت سنة 1558، قبله بثماني سنوات، وبنى لها سنان هذا الضريح المكسو ببلاط تتفتح فيه الأزهار كأنها حدائق الجنة.

    قد يحب الناس خُرَّم أو يكرهونها، فقد انقسم حولها المؤرخون وكتاب المسلسلات معاً، لكن الحجر هنا لا يحكم على أحد: زوجان يرقدان جنباً إلى جنب على تل يطل على المدينة التي حكماها. والآن سر نحو الطرف الشمالي من المجمع، حيث يلتقي شارعان عند زاوية حادة، فهناك ضريح صغير جداً للرجل الذي بنى كل هذا.

  8. 8. ضريح المعمار سنان: أبسط قبر لأعظم معماري

    Süleymaniye, Mimar Sinan Cd., 34116 Fatih/İstanbul, Türkiye

    عند هذه الزاوية المثلثة الصغيرة، حيث يلتقي شارعان، تجد سوراً منخفضاً ومظلة رخامية بسيطة فوق تابوت حجري يعلوه شكل عمامة. لا قبة شاهقة، ولا بلاط ملون، ولا حراس، والمارة يعبرون دون أن ينتبهوا. هذا ضريح المعمار سنان، الرجل الذي غير وجه إسطنبول، ويقال إنه صمم لنفسه هذا القبر المتواضع.

    ولد سنان في أواخر القرن الخامس عشر تقريباً، في قرية من نواحي قيصرية في الأناضول، لأسرة مسيحية، وجُند صبياً في نظام الدوشرمة فدخل الإنكشارية. هناك تعلم بناء الجسور والسفن والتحصينات أثناء الحملات العسكرية، من بلغراد إلى بغداد. وفي تلك الحملات رأى بعينه عمائر الشرق والغرب، من كنائس البلقان إلى قلاع العراق، فكان الجيش مدرسته الأولى في الهندسة. وكان قد تجاوز الأربعين حين عُين سنة 1538 رئيساً لمعماريي الدولة، وبقي في المنصب قرابة خمسين عاماً.

    والأرقام هنا مذهلة: تُنسب إليه أكثر من ثلاثمئة منشأة، بين جوامع ومدارس وحمامات وجسور وقناطر مياه ومطابخ خيرية، من البلقان إلى بلاد الشام. وفي دمشق ما زالت التكية السليمانية على ضفة بردى تحمل بصمته. وكان سنان نفسه يقسم مسيرته إلى ثلاث مراحل: جامع شهزاده عمل الصبي المتدرب، والسليمانية عمل الصانع، وجامع السليمية في أدرنة عمل الأستاذ. وسترى عمل المتدرب بعد قليل.

    ويقال إنه عاش قرابة مئة عام، وتوفي سنة 1588، وإن بيته كان في هذا الموضع نفسه، على مرمى حجر من تحفته الكبرى. وقد دوّن صديقه الشاعر ساعي مصطفى جلبي سيرته وأعماله، ونظم الأبيات المنقوشة على شاهد قبره. تخيل الرجل العجوز يجلس في حديقته الصغيرة كل مساء، ويرى القباب التي رفعها تشتعل بلون الغروب.

    ومن المفارقات أن أعظم معماري في تاريخ الدولة العثمانية جاء من قرية مسيحية في قلب الأناضول، ثم صار اسمه رمزاً للعمارة الإسلامية كلها، من إسطنبول إلى دمشق. وتحمل اسمه اليوم جامعة كبرى للفنون الجميلة في إسطنبول، ويدرس المعماريون من أنحاء العالم أعماله كما يُدرس كبار الشعراء. اقرأ الفاتحة إن شئت، ثم انزل غرباً عبر الأزقة الهادئة نحو حي وفا، حيث ينتظرك مشروب شتوي لم يتغير طعمه منذ أكثر من قرن.

  9. 9. محل بوزا وفا: شراب الشتاء منذ 1876

    Molla Hüsrev, Vefa Cd. No:66, 34134 Fatih/İstanbul, Türkiye

    ادفع الباب وادخل. سترى مكاناً كأن الزمن نسيه: رفوف خشبية داكنة، ومرايا قديمة، وزجاجات مصفوفة، ورخام بارد على الطاولات، وأكواب سميكة يُصب فيها شراب أصفر كثيف يشبه المهلبية الخفيفة. هذا محل بوزا وفا، الذي يقدم شرابه في هذا الحي منذ سنة 1876.

    والبوزا ليست المثلجات التي يتخيلها ابن الشام حين يسمع كلمة البوظة، ولا هي تماماً البوظة الشعبية التي يعرفها أهل مصر، وإن كانت الكلمة واحدة والأصل قريباً. إنها شراب من حبوب الدخن المخمّرة قليلاً، كثيف القوام، فيه حلاوة خفيفة وحموضة لطيفة، تُرش فوقه القرفة، ويؤكل معه الحمص المحمص. شراب الشتاء بامتياز، يدفئ الصدر في ليالي إسطنبول الرطبة الباردة. ويذكر الرحالة العثماني أوليا جلبي في القرن السابع عشر أن صانعي البوزا كانت لهم طائفة خاصة بين حرف المدينة، تسير في المواكب الكبرى مع سائر الحرفيين.

    وإن جلست قليلاً فابحث بعينيك عن إطار زجاجي معلق على الجدار، فيه كأس عادية تماماً. تقول الحكاية التي يرويها أصحاب المحل إن مصطفى كمال أتاتورك شرب منها حين زار المكان سنة 1937، فحفظوها كأنها قطعة متحفية. وفي ليالي الشتاء القديمة كان باعة البوزا يجوبون الأزقة بأوعيتهم، وينادون بصوت ممدود طويل: بوووزا... فيطل الأطفال من النوافذ. وما زلت تسمع هذا النداء في بعض أحياء المدينة حتى اليوم.

    أما اسم الحي، وفا، فيأتي من شيخ صوفي عاش هنا في القرن الخامس عشر، هو الشيخ مصلح الدين وفا، وكان له مسجد وزاوية يقصدهما الناس. وكان سكان الحي القديم مزيجاً من العلماء والحرفيين وطلاب المدارس المحيطة بالسليمانية، يقضون أمسياتهم بين المقاهي ودكاكين الشراب والحلوى. ومحل البوزا هذا من القلة التي بقيت من ذلك العالم، بالعائلة نفسها والوصفة نفسها كما يقول أصحابه.

    جرب كوباً بالقرفة والحمص، واجلس قليلاً إن وجدت مكاناً، فالمحل صغير ومزدحم في الأمسيات الباردة، وراقب وجوه الزبائن: عجوز يشرب ببطء كأنه يتذكر طفولته، وشاب يصور كوبه بهاتفه، وسائح يتردد أمام الطعم الحامض الحلو. ثم اخرج واتجه جنوباً نحو الشارع العريض، فخلف الأشجار تلوح قباب جامع يحمل حزناً قديماً: جامع بناه سلطان لابنه الذي رحل شاباً.

  10. 10. جامع شهزاده: عمل المتدرب وحزن السلطان

    Kalenderhane, Şehzadebaşı Cd. (15 Temmuz Şehitleri Cd.), Fatih/İstanbul, Türkiye

    قف في الحديقة الواسعة أمام الجامع، وانظر إلى بنائه المتناسق: قبة في الوسط، تحيط بها أربعة أنصاف قباب من كل جهة، كأنها زهرة تتفتح بأوراقها الأربع. والمئذنتان على الجانبين مزينتان بنقوش ناتئة دقيقة وزخارف من الحجر الملون. هذا جامع شهزاده، أي جامع الأمير.

    في سنة 1543 توفي الأمير محمد، أكبر أبناء خُرَّم من السلطان سليمان، في مدينة مانيسا، وهو في الحادية والعشرين تقريباً، بمرض الجدري على ما تذكر المصادر. وكان أبوه يعده لأمور عظيمة. وتروي المصادر أن سليمان نظم بيتاً من الشعر يؤرخ وفاته، وأن هذا الحزن ظل يرافقه سنوات طويلة. حزن سليمان حزناً شديداً، وأمر سنان أن يبني جامعاً في ذكراه، فاكتمل سنة 1548، ودُفن الأمير في ضريح في حديقته خلف جدار القبلة.

    وهذا هو العمل الذي سماه سنان عمل الصبي المتدرب، مع أنه أول جامع سلطاني كبير يبنيه بعد تعيينه رئيساً للمعماريين. هنا جرب فكرة أنصاف القباب الأربعة، فأنتج فضاء متناظراً تماماً، تقف في وسطه فترى الجهات كلها متساوية. ويرى كثير من مؤرخي العمارة أن هذا التناظر الكامل أفقد القاعة اتجاهها نحو القبلة، فعاد سنان في السليمانية إلى نصفي قبتين فقط، ثم بلغ الحل الأمثل في أدرنة بقبة واحدة واسعة محمولة على ثماني دعامات.

    وإن استطعت فانظر إلى ضريح الأمير محمد في الحديقة، فهو من أجمل الأضرحة في إسطنبول، وفي داخله بلاط ملون من مرحلة مبكرة، يسبق بلاط إزنيق الشهير بأحمره القاني، كأنه لوحة لم تجف ألوانها بعد. وفي الحديقة نفسها أضرحة أخرى، منها ضريح رستم باشا، صهر السلطان سليمان وصدره الأعظم، كأن الحزن جذب الحزن إلى هذا المكان.

    ولأن هذا جامع الحزن، فهو أيضاً جامع البدايات: من هنا انطلق أسلوب سنان الذي سيملأ المدينة بالقباب والمآذن طوال نصف قرن. وفي حديقته الهادئة اليوم يجلس الطلاب وعمال الحي في الظل، دون أن يعرف أكثرهم أن المكان ولد من دموع أب. والآن اتجه نحو الشمال الغربي إلى الشارع العريض، وستلمح فوق السيارات قنطرة حجرية هائلة من الأقواس المتراصة، أقدم من كل ما رأيته اليوم، إلا العمود الذي بدأت عنده.

  11. 11. قناطر فالنس (قوس بوزدوغان): ماء روما لمدينة السلاطين

    Bozdoğan Kemeri, Atatürk Blv., Kalenderhane, Fatih/İstanbul, Türkiye

    قف عند طرف الحديقة وانظر إلى هذا الخط الطويل من الأقواس الحجرية الذي يعبر الوادي بين تلتين، والسيارات تمر من تحته كأنها نمل تحت جسر عملاق. طبقتان من الأقواس، حجارة رمادية وصفراء تتخللها صفوف من الآجر، ونباتات خضراء تنبت في الشقوق. هذه قناطر فالنس، أو كما يسميها أهل إسطنبول: قوس بوزدوغان. خذ مكاناً على مقعد في الحديقة، فالمشهد يستحق دقائق من الصمت.

    اكتملت القناة في عهد الإمبراطور الروماني فالنس سنة 368 للميلاد، وكانت جزءاً من شبكة مياه هائلة تجلب الماء من غابات تراقيا البعيدة عبر قنوات تمتد مئات الكيلومترات، لأن المدينة القائمة بين بحرين كانت عطشى على الدوام. يبلغ طول ما بقي منها قرابة تسعمئة وسبعين متراً، ويصل ارتفاعها في أعلى نقطة إلى نحو تسعة وعشرين متراً.

    والأعجب أنها ظلت تعمل قروناً طويلة. فبعد الفتح أصلحها العثمانيون وربطوها بشبكاتهم الجديدة، وكان سنان نفسه من المعماريين الذين عملوا على مياه المدينة في عهد سليمان، فبنى القناطر والسدود في الغابات الشمالية. وكانت المياه التي تجري فوق رأسك توزع على الجوامع والقصور والسبل والحمامات، فتصل إلى الحي العادي كما تصل إلى قصر السلطان. وقد شهدت هذه الأقواس كل ما مر بالمدينة: الحصارات والزلازل والحرائق، والفتح سنة 1453، ثم قدوم السيارات في القرن العشرين، حين شُق الشارع العريض من تحتها.

    أما الاسم التركي، بوزدوغان، فمعناه الصقر الرمادي. ولا أحد يعرف بيقين سبب التسمية، فبعض الحكايات تربطها بالطيور الجارحة التي كانت تعشش بين الأقواس، وبعضها بأمور أخرى نسيها الناس. وهذا من سحر إسطنبول: حتى الحجر الذي حمل الماء ستة عشر قرناً يحمل معه سؤالاً بلا جواب.

    وهنا تنتهي نزهتك. تذكر أين بدأت: عند عمود إمبراطور روماني، ثم عبرت خزنة بناها الفاتح، وجامعاً من الباروك، وسوق الكتب ومدارس بايزيد، ثم تحفة سنان وقبره المتواضع، وشربت في الطريق شراب الشتاء، لتنتهي تحت قناة رومانية سقى بها العثمانيون مدينتهم. إسطنبول لم تمح ماضيها، بل بنت فوقه طبقة بعد طبقة... وأنت الآن تقف على كل هذه الطبقات معاً. وإن بقي في يومك متسع، فالبازار خلفك، والخليج أمامك، والمدينة كلها مفتوحة لك.