أيوب سلطان في إسطنبول: على خطى أبي أيوب الأنصاري عند القرن الذهبي

من مصنع الطرابيش على شاطئ الخليج إلى مقام الصحابي الجليل، ثم صعود بين شواهد القبور العثمانية إلى تلة بيير لوتي ونزول إلى تكية الدراويش المولوية

Istanbul · 11 stops · 24 دقيقة صوتية · Generated

  1. 1. جامع الدفتردار: بوابة أيوب على الخليج

    Nişancı, Defterdar Cd., 34050 Eyüpsultan/İstanbul, Türkiye

    أنت الآن على الضفة الغربية لأعلى القرن الذهبي، بعيداً عن زحام السلطان أحمد، وأمامك جامع حجري هادئ بقبة واحدة ومئذنة رشيقة، تحيط به أشجار وبيوت قديمة. الهواء هنا أنقى، والإيقاع أبطأ. القوارب الصغيرة تعبر الخليج خلفك، والنوارس تحلق فوق الماء. هذا جامع الدفتردار، ومنه تبدأ رحلتك إلى حي أيوب، أكثر أحياء إسطنبول قداسة عند أهلها.

    كلمة دفتردار تعني في الإدارة العثمانية رئيس المالية، أي صاحب الدفاتر. وكان الدفتردار رجلاً بالغ النفوذ، يجلس في الديوان مع الوزراء، وتمر تحت يده رواتب الجنود وضرائب الأقاليم ونفقات القصر. وقد بني هذا الجامع في أربعينيات القرن السادس عشر لمحمود أفندي، أحد دفترداري السلطان سليمان القانوني، وتنسبه قوائم أعمال المعمار سنان إليه. بناء بسيط متقن: قاعة مربعة تعلوها قبة، ورواق أمامي، ومئذنة واحدة. ليس فيه بذخ الجوامع السلطانية، لكنه يكشف كيف كان سنان يعمل لكبار الموظفين، لا للسلاطين وحدهم.

    ولكن لماذا أراد رجال الدولة أن يبنوا هنا، خارج أسوار المدينة القديمة؟ الجواب على مسافة قصيرة منك، في مقام الصحابي أبي أيوب الأنصاري. فمنذ أن حدد العثمانيون موضع قبره بعد فتح القسطنطينية سنة 1453، صار هذا الوادي الأخضر على رأس الخليج مكاناً مباركاً، يتسابق الوزراء والأميرات والعلماء إلى بناء الجوامع والمدارس والأضرحة حوله، ويتمنى الناس أن يُدفنوا في جواره.

    وكانت المنطقة قبل ذلك، في العصر البيزنطي، ضاحية خارج الأسوار فيها كنائس وأديرة، يقصدها أهل القسطنطينية على الماء. ومن أشهر ما يذكره المؤرخون في هذه الناحية دير القديسين قزمان ودميان، الذي كان المرضى يقصدونه طلباً للشفاء. ثم تغير وجهها بالكامل، فصارت أيوب بلدة صغيرة لها حياتها الخاصة: أسواق ومقاه وورش، وبائعو المسابح والألعاب الخشبية التي كان الزوار يشترونها لأطفالهم بعد الزيارة. وما زالت فيها حتى اليوم روح البلدة لا روح المدينة الكبيرة.

    انظر الآن إلى البناء الكبير الممتد على الشاطئ قريباً منك، بجدرانه الطويلة ونوافذه المتتابعة. ليس قصراً ولا مسجداً، بل مصنع... وقصته مرتبطة بقطعة لباس تعرفها جيداً، حتى لو لم تلبسها قط. اعبر الشارع واقترب منه.

  2. 2. فسخانه: دار الطرابيش على شاطئ الخليج

    Feshane, Nişancı, 34050 Eyüpsultan/İstanbul, Türkiye

    أمامك مبنى صناعي طويل على حافة الماء، بجدران من الحجر والآجر، ونوافذ عالية متلاحقة، وقاعة داخلية واسعة. اليوم يستخدم للمعارض والفعاليات، لكن اسمه وحده يكشف ماضيه: فسخانه، أي دار الطرابيش. نعم، هنا كانت تصنع الطرابيش الحمراء التي غطت رؤوس رجال الدولة العثمانية قرابة قرن كامل.

    بدأت القصة سنة 1829، حين أصدر السلطان محمود الثاني قراراً بتغيير لباس موظفي الدولة: لا عمائم كبيرة بعد اليوم، بل الطربوش للجميع، من الوزير إلى الكاتب الصغير. كان قراراً سياسياً قبل أن يكون ذوقياً، فقد أراد السلطان أن يخفف الفوارق الظاهرة بين الطبقات والطوائف، وأن يقدم صورة دولة حديثة. ولكي لا تعتمد الدولة على استيراد كميات هائلة من الطرابيش، أُنشئ هذا المصنع، واستقر على هذا الشاطئ في ثلاثينيات القرن التاسع عشر.

    وهنا لمسة تخصك إن كنت من أهل المغرب العربي. فاسم الطربوش في التركية والأوروبية هو فس، ويربطه كثيرون بمدينة فاس المغربية، التي اشتهرت بصباغة هذه القلانس الحمراء. ويقال إن صناعة الطرابيش في إسطنبول تعلمت أسرارها في البداية من حرفيين تونسيين، أصحاب الشاشية الحمراء الشهيرة. هكذا جمع رأس الموظف العثماني بين فاس وتونس وإسطنبول دون أن يدري.

    لكن الأزياء لا تدوم. ففي سنة 1925، بعد قيام الجمهورية التركية، صدر قانون القبعة الذي منع لبس الطربوش، فانتهى عصره في تركيا خلال وقت قصير. أما المصنع فلم يمت: تحول إلى إنتاج الأقمشة الصوفية والبطانيات وأزياء الجنود، وظل ينسج عقوداً طويلة في القرن العشرين. وكان المصنع في القرن التاسع عشر من أوائل المصانع الحديثة في إسطنبول، ورمزاً لمحاولة الدولة أن تصنع بنفسها ما كانت تستورده. ثم توقفت الآلات، وكاد المبنى يُنسى على شاطئ ملوث، قبل أن ترممه بلدية إسطنبول في أواخر القرن العشرين ليصبح قاعة للمعارض والثقافة.

    قف لحظة عند الماء وتخيل صفوف العمال الخارجين في المساء، والقوارب الصغيرة تنقل الأقمشة إلى المدينة. وإن كان في المبنى معرض مفتوح، فادخل وألق نظرة على قاعته الواسعة. ثم عد إلى الشارع وامش شمالاً قليلاً، وانعطف نحو التل، فهناك جامع مبني على منحدر بفنائين على مستويين، يحمل اسم رجل ارتبط بإحدى أشد الليالي إيلاماً في تاريخ القصر العثماني.

  3. 3. جامع زال محمود باشا: قلعة سنان على المنحدر

    Nişancı, Zal Paşa Cd., 34050 Eyüpsultan/İstanbul, Türkiye

    اصعد الدرجات قليلاً، ولاحظ كيف يرتفع هذا الجامع على المنحدر كأنه قلعة: جدران عالية من الحجر والآجر في خطوط متناوبة، ونوافذ في صفوف عديدة، وفناء سفلي وآخر علوي، لأن الأرض هنا تنحدر بقوة نحو الخليج. هذا جامع زال محمود باشا، من أعمال المعمار سنان في النصف الثاني من القرن السادس عشر.

    كان على سنان أن يحل مسألة صعبة: قطعة أرض مائلة، وجامع يراد له أن يبدو مهيباً من الماء ومتواضعاً من الشارع. فرفع الجامع على منصة عالية، ووزع حوله فنائين على مستويين، تحيط بهما غرف المدرسة. ومن الداخل ستلاحظ قاعة واسعة تحيط بها شرفات علوية، تجعل المكان يبدو أكبر من حجمه. هندسة ذكية تحول عيب الأرض إلى ميزة. وقد جمع سنان الحجر والآجر في واجهاته، فصنع بهما خطوطاً أفقية تذكرك بالعمارة البيزنطية القديمة في المدينة، كأنه يحيي جيرانه الأقدمين.

    أما صاحب الجامع فهو زال محمود باشا، الذي صار وزيراً كبيراً في عهد سليمان القانوني وابنه سليم الثاني. لكن اسمه ارتبط في الروايات العثمانية بحادثة مؤلمة: ففي سنة 1553، في معسكر قرب أرغلي في الأناضول، أمر سليمان بإعدام ابنه الأكبر، الأمير مصطفى، المحبوب لدى الجنود. وتقول المصادر إن زال محمود كان من الرجال الذين نفذوا الحكم في الخيمة السلطانية. حادثة هزت الجيش، ورثاها الشعراء طويلاً.

    ثم تأتي الحكاية الأكثر رقة. تزوج زال محمود باشا الأميرة شاه سلطان، ابنة السلطان سليم الثاني، وعاشا معاً في ما تصفه الروايات بمودة نادرة. وتوفيا في وقت متقارب جداً، حتى قيل إنهما رحلا في يوم واحد، فدُفنا معاً في ضريح واحد في حديقة هذا الجامع. رجل حمل في ذاكرته ليلة قاسية، وانتهت قصته في قبر مشترك مع زوجة أحبها.

    انظر إلى ضريحهما في الحديقة، وتأمل كيف تتجاور القسوة والحنان في حياة واحدة، وكيف يحفظ الحجر الحكايتين معاً دون أن يختار بينهما. وفي الفناء العلوي هدوء نادر بعيداً عن ضجيج الشارع. ثم انزل نحو الشاطئ واتجه شمالاً على امتداد الخليج، حتى تبلغ رصيف العبارات الصغير، حيث يضيق الماء وتبدأ بلدة أيوب.

  4. 4. رصيف أيوب: القرن الذهبي وموكب السيف

    Eyüp Vapur İskelesi, Merkez, Silahtarağa Cd., 34050 Eyüpsultan/İstanbul, Türkiye

    قف على رصيف أيوب، وأمامك الماء الهادئ للقرن الذهبي، وعلى الضفة المقابلة بيوت ومساجد وتلال خضراء، ونحو الشمال يضيق الخليج كأنه نهر يدخل بين الوديان. العبارات الصغيرة تأتي وتذهب، والصيادون يرمون خيوطهم بصبر. هذا المكان كان لقرون باب أيوب على الماء.

    القرن الذهبي، أو الخليج كما يسميه الأتراك، ممر مائي طويل يتوغل في البر نحو سبعة كيلومترات ونصف، ويصب في نهايته نهران صغيران، كان الأوروبيون يسمون واديهما المياه العذبة لأوروبا. وفي عصر الخزامى في القرن الثامن عشر، كان أهل إسطنبول يصعدون بالقوارب إلى تلك المروج في الربيع للنزهة والموسيقى، وكانت قوارب السلاطين المذهبة تمر من أمامك في طريقها إلى قصور الصيف. أما اسم القرن الذهبي، فيقال إنه جاء من لون الماء حين تغرب الشمس عليه، أو من الثروات التي كانت تتدفق عبر مرفئه، والمؤرخون لا يتفقون.

    ولهذا الرصيف صلة بأهم طقس في حياة السلطان العثماني. فبعد أن يعتلي السلطان الجديد العرش، كان يأتي إلى جامع أيوب ليتقلد السيف في احتفال مهيب، يشبه التتويج عند ملوك أوروبا، وكثيراً ما وصل الموكب بالقارب السلطاني عبر الخليج، ثم عاد براً عبر المدينة وسط الجماهير. لم يكن السلطان يلبس تاجاً، بل يتقلد سيفاً عند قبر صحابي.

    وفي القرن العشرين امتلأ هذا الخليج بالمصانع والمستودعات وأحواض السفن، فصارت مياهه من أكثر مياه المدينة تلوثاً، وكانت رائحته تبعد الناس عن ضفافه. ثم بدأت حملات التنظيف في ثمانينيات القرن الماضي، فأزيلت مصانع كثيرة، وحُولت الضفاف إلى حدائق وممرات للمشاة. واليوم عاد الصيادون، وعادت العائلات إلى الشاطئ في المساء. وعلى ضفتي الخليج مبان صناعية قديمة تحولت إلى متاحف وجامعات ومراكز ثقافية، منها محطة كهرباء سلاح دار آغا التي صارت حرماً جامعياً.

    وقبل أن تترك الماء، تذكر أن هذا الخليج نفسه شهد في سنة 1453 واحدة من أغرب الحيل العسكرية، حين نقل العثمانيون سفنهم براً فوق التلال خلف غلطة وأنزلوها في الخليج، متجاوزين السلسلة الحديدية التي سدت مدخله. والآن اتجه نحو البلدة، وسر غرباً في الشارع المؤدي إلى الجامع، حيث ستمر بضريح حديث نسبياً لسلطان اختار أن يرقد هنا.

  5. 5. ضريح السلطان محمد الخامس رشاد: آخر سلطان يرقد في إسطنبول

    Merkez, Eyüp İskele Cd., 34050 Eyüpsultan/İstanbul, Türkiye

    خلف سور حديدي وحديقة صغيرة إلى جانب الطريق، ترى ضريحاً حجرياً مزخرفاً بأقواس مدببة وبلاط ملون، يبدو قديماً للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة من القرن العشرين. هذا ضريح السلطان محمد الخامس رشاد، آخر سلطان عثماني دُفن في إسطنبول.

    عاش محمد رشاد حياة غريبة: قضى عقوداً طويلة في عزلة شبه تامة داخل القصر في عهد أخيه السلطان عبد الحميد الثاني، يقرأ ويكتب الشعر ويعتني بالحديقة، بعيداً عن شؤون الحكم. ثم وجد نفسه فجأة، سنة 1909، سلطاناً وقد تجاوز الرابعة والستين، في دولة تحكمها فعلياً جمعية الاتحاد والترقي، فكان عهده رمزياً إلى حد بعيد. وفي سنة 1911 قام برحلة إلى البلقان زار فيها كوسوفو وصلى عند ضريح السلطان مراد الأول، في محاولة لتقوية روابط الدولة بولاياتها الأوروبية قبل أن تضيع.

    وجاءت في عهده الحروب واحدة بعد الأخرى: حرب طرابلس الغرب، ثم حروب البلقان، ثم الحرب العالمية الأولى التي دخلتها الدولة سنة 1914، وانتهت بخسارة معظم أراضيها العربية. وتوفي محمد رشاد في صيف 1918، قبل نهاية الحرب بأشهر قليلة، فلم ير هزيمة الدولة ولا احتلال عاصمته. أما خلفه محمد السادس وحيد الدين فمات في المنفى ودُفن في دمشق، ولذلك بقي محمد رشاد آخر سلاطين بني عثمان الذين يرقدون في مدينتهم.

    انظر إلى عمارة الضريح: أقواس عثمانية، وبلاط ملون، وقبة صغيرة، كأنها استعادة للعمارة الكلاسيكية. صممه المعمار كمال الدين، أحد رواد ما سمي بحركة العمارة الوطنية الأولى، التي أرادت في أوائل القرن العشرين أن تعود إلى روح سنان بدلاً من تقليد أوروبا. ويقال إن السلطان نفسه أراد أن يُدفن في أيوب، قرب الصحابي الجليل، لا في ضريح سلطاني في قلب المدينة القديمة.

    إنها مفارقة مؤثرة: الدولة التي كان سلاطينها يتقلدون السيف عند قبر أبي أيوب، أنهت قصتها في إسطنبول بقبر سلطان على بعد خطوات من القبر نفسه. قف لحظة عند السور، وتأمل كم تغير العالم في السنوات القليلة بين هذا القبر ونهاية الدولة. والآن تابع في الشارع نحو الجنوب الغربي، فعلى الزاوية ضريح آخر أقدم بكثير، لرجل حكم الدولة فعلياً في عهد ثلاثة سلاطين.

  6. 6. ضريح صقللي محمد باشا: رجل الدولة وقناة لم تُحفر

    İslambey, Kalenderhane Cd., 34050 Eyüpsultan/İstanbul, Türkiye

    أمامك ضريح ثماني الأضلاع بقبة رصاصية، يحيط به رواق أنيق من الأعمدة، ويتصل عبر ممر مسقوف بمبنى صغير كان مدرسة لتعليم القرآن. البناء متقن الهندسة، خفيف، كأنه رُسم بقلم رصاص، وحوله حديقة مسورة يتردد فيها صوت الزوار المتجهين إلى الجامع. هذا ضريح الصدر الأعظم صقللي محمد باشا، ومن صممه؟ المعمار سنان، كما هي العادة في هذه المدينة.

    ولد محمد في البوسنة، في قرية سوكولوفيتشي، لأسرة مسيحية، وجُند صبياً في نظام الدوشرمة، ثم صعد درجات الدولة واحدة بعد الأخرى حتى صار صدراً أعظم سنة 1565. وبقي في منصبه أربعة عشر عاماً في عهد ثلاثة سلاطين: سليمان القانوني، وسليم الثاني، ومراد الثالث. ولم ينس أهله، فقد أعيد في زمنه إحياء البطريركية الصربية في بيتش، وكان أول بطاركتها من أقاربه.

    وفي سنة 1566، حين مات سليمان في خيمته أمام قلعة سيكتوار في المجر، كان صقللي هو من أخفى الخبر عن الجيش، وأرسل سراً إلى الأمير سليم ليأتي ويتسلم العرش قبل أن تنتشر الفوضى. وبعد ثلاثة عشر عاماً، سنة 1579، طعنه رجل متنكر في زي درويش داخل ديوانه. رجل أنقذ انتقال العرش، ومات بخنجر غامض.

    وكان صقللي صاحب خيال واسع. فقد فكر في شق قناة بين نهري الدون والفولغا لتصل البحر الأسود ببحر قزوين، وبدأ العمل فيها فعلاً. وتذكر المصادر أنه درس أيضاً فكرة قناة تصل البحر الأحمر بالبحر المتوسط عبر برزخ السويس، قبل قرون من حفر قناة السويس. لم يكتمل أي من المشروعين، لكن جسره على نهر درينا في فيشيغراد ما زال قائماً، وقد ألهم الكاتب إيفو أندريتش روايته جسر على نهر درينا، ثم نال أندريتش جائزة نوبل سنة 1961. وما زالت جسور ومساجد وخانات بناها في البلقان والأناضول قائمة حتى اليوم، يمر عليها الناس دون أن يعرفوا صاحبها.

    انظر من خلال النوافذ المشبكة إن استطعت، وتأمل كيف يرقد أقوى رجال الدولة في عصره في هذا البناء الصغير الأنيق، قريباً من الصحابي الذي جاء الناس من كل مكان ليجاوروه. ثم اعبر الشارع، وادخل من البوابة الكبيرة إلى الفناء المظلل بأشجار الدلب العملاقة، فأنت الآن على عتبة قلب أيوب.

  7. 7. جامع أيوب سلطان ومقام أبي أيوب الأنصاري

    Merkez, Cami Kebir Sk. No:1, 34050 Eyüpsultan/İstanbul, Türkiye

    ادخل الفناء الخارجي، وارفع رأسك إلى أشجار الدلب العملاقة التي تظلل المكان بأغصانها الممتدة، وجذوعها الضخمة التي يحتاج بعضها إلى عدة رجال ليحيطوا بها. حولك حمائم لا تحصى، وزوار من كل مكان، وأطفال في ثياب الختان المزينة، وعرسان جاؤوا يطلبون البركة. ثم ادخل الفناء الداخلي، فأمامك الجامع، وقبالته ضريح مكسو بالبلاط الملون: هنا يرقد أبو أيوب الأنصاري.

    أبو أيوب، واسمه خالد بن زيد، من الأنصار في المدينة المنورة، وهو الصحابي الذي نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته عند الهجرة، حين بركت الناقة أمام داره. وبعد عقود طويلة، وقد صار شيخاً كبيراً، خرج مع الجيوش الإسلامية في الحصارات العربية الأولى للقسطنطينية، في عهد معاوية بن أبي سفيان. مرض أثناء الحصار، وأوصى أن يُحمل جسده إلى أقرب نقطة ممكنة من أسوار المدينة ويُدفن هناك. وهكذا كان.

    ثم مرت قرون طويلة. وتقول الرواية العثمانية إنه بعد فتح القسطنطينية سنة 1453، حدد الشيخ آق شمس الدين، شيخ السلطان محمد الفاتح، موضع القبر في هذا الوادي، فأمر السلطان ببناء ضريح وجامع حوله سنة 1458، فكان من أوائل ما شيده العثمانيون في المدينة بعد الفتح. وصار المكان منذ ذلك اليوم أقدس بقاع إسطنبول عند أهلها، حتى إن الحي كله يحمل اسمه: أيوب سلطان.

    أما الجامع الذي تراه فليس بناء الفاتح، فقد تضرر كثيراً في زلزال 1766، فأعاد السلطان سليم الثالث بناءه، واكتمل سنة 1800 بطراز عثماني متأخر، بقبة واسعة ونوافذ كثيرة. وواجهة الضريح مكسوة ببلاط من عصور مختلفة، كأنها معرض للبلاط العثماني، وفي الداخل شباك فضي يحيط بالقبر. وفي هذا الجامع كان السلاطين يتقلدون السيف عند اعتلائهم العرش.

    اخفض صوتك، وراقب الناس: امرأة ترفع يديها بالدعاء، وشاب يقرأ القرآن بصوت هادئ، وأب يعلم ابنه كيف يقف بأدب أمام الشباك. بعد أكثر من ثلاثة عشر قرناً، ما زال الصحابي الذي استضاف النبي في المدينة يستقبل الزوار في إسطنبول. وحين تنتهي، اخرج من الفناء نحو الشمال الشرقي، حيث مجمع خيري أنيق بنته أم سلطان، وما زال مطبخه يعمل.

  8. 8. مجمع مهرشاه والدة سلطان: صدقة جارية من الباروك

    Merkez, Silahtarağa Cd., 34050 Eyüpsultan/İstanbul, Türkiye

    أمامك سبيل ماء بشبابيك نحاسية مذهبة، وجدران من الرخام المنحوت بأكاليل وزهور وأوراق ملتفة، وخلفه ضريح وفناء ومبان منخفضة. هذا مجمع مهرشاه والدة سلطان، من أجمل نماذج الباروك العثماني في المدينة، بخطوطه المنحنية وزخارفه المترفة التي تشبه ستارة مسرح من حجر.

    بنته مهرشاه سلطان، والدة السلطان سليم الثالث، في تسعينيات القرن الثامن عشر، بعد سنوات قليلة من تولي ابنها العرش سنة 1789. وكان لقب والدة سلطان، أي أم السلطان الحاكم، أعلى مقام يمكن أن تبلغه امرأة في الدولة العثمانية، وكانت صاحبته تملك ثروة ونفوذاً، وتنفق كثيراً منهما على أعمال الخير. وتقول بعض المصادر إنها كانت سنداً لابنها في سنوات حكمه الأولى. ويجمع هذا المجمع ضريحها ومدرسة للصبيان وسبيلاً ومطبخاً خيرياً.

    والمدهش أن هذا المطبخ الخيري، العمارة كما سماه العثمانيون، ما زال بحسب أهل الحي يوزع الطعام على المحتاجين حتى اليوم، بعد أكثر من قرنين. تخيل ذلك: وقف أسسته امرأة في القرن الثامن عشر، وما زالت قدوره تغلي. وكان الطعام في المطابخ الخيرية العثمانية يوزع بحسب نظام دقيق تحدده وثيقة الوقف: من يأكل، ومتى، وكم رغيفاً، وأي طعام في أي يوم. كان نظام الوقف العثماني يقوم على هذه الفكرة بالضبط: أن يبقى الخير جارياً بعد موت صاحبه، كالصدقة الجارية تماماً.

    أما ابنها سليم الثالث فكان سلطاناً مصلحاً، حاول أن ينشئ جيشاً حديثاً منظماً سماه النظام الجديد، وكان شاعراً وموسيقياً بارعاً ألف ألحاناً ما زالت تُعزف. لكن إصلاحاته أغضبت الإنكشارية، فخُلع سنة 1807، ثم قُتل في القصر سنة 1808. ولم تشهد أمه تلك النهاية، فقد توفيت قبلها بسنوات، سنة 1805، ودُفنت في هذا الضريح الذي بنته بنفسها.

    توقف عند السبيل، وتخيل عابرين في القرن الثامن عشر يمدون أيديهم إلى الأكواب النحاسية عند الشبابيك ليشربوا ماء بارداً بلا مقابل، ويدعون لصاحبة السبيل. وتأمل الكتابات المذهبة فوق الشبابيك، فهي في الغالب أبيات تمدح الماء وصاحبة الخير. ثم عد إلى الطريق الذي يمر خلف الجامع، وابدأ الصعود ببطء في الدرب الحجري بين القبور، فالتلة شديدة الانحدار، والمنظر يستحق كل خطوة.

  9. 9. مقبرة أيوب: شواهد تتكلم بالحروف العربية

    Eyüp Sultan Mezarlığı, Merkez, 34050 Eyüpsultan/İstanbul, Türkiye

    أنت الآن تصعد درباً حجرياً ضيقاً بين آلاف الشواهد، تحت ظلال أشجار السرو الداكنة. بعض الشواهد مائلة، وبعضها غارق في العشب، وبعضها منحوت بدقة مذهلة. لاحظ أن كثيراً من شواهد الرجال تنتهي في أعلاها بعمامة أو طربوش من حجر، بينما تزين شواهد النساء زهور ونباتات منحوتة. الهواء هنا بارد ومعطر برائحة الأرض والسرو.

    هذه الشواهد تتكلم إن عرفت لغتها. فالعمامة على الشاهد لم تكن زينة، بل كانت تدل على مرتبة صاحبها ومهنته وطريقته: عمامة العالم تختلف عن عمامة الوزير، وقلنسوة الدرويش المولوي الطويلة تختلف عن غطاء رأس الإنكشاري. وبعد إصلاح سنة 1829 ظهرت الطرابيش الحجرية، فإن رأيت طربوشاً عرفت أن صاحبه عاش في القرن التاسع عشر أو بعده. أما الزهور على شواهد النساء، فيقال إنها كانت أحياناً تدل على عدد الأبناء أو على موت في ريعان الشباب. وبعض الشواهد تحمل رموزاً لمهنة صاحبها، كالسيف للجندي أو السفينة للبحار.

    واقرأ الكلمات المنقوشة إن استطعت، فستجد كثيراً منها يبدأ بعبارة عربية قصيرة: هو الباقي. ثم يأتي اسم المتوفى، وغالباً ما ينتهي النقش بطلب قراءة الفاتحة على روحه. اللغة عثمانية، لكن الحروف عربية، والدعاء عربي، فستشعر وأنت تقرأ أن هذه المقبرة تخاطبك بلغتك.

    لماذا كل هذه القبور هنا؟ لأن الناس منذ القرن الخامس عشر أرادوا أن يُدفنوا قرب أبي أيوب، رجاء بركة جواره. فامتلأ التل على مدى قرون بقبور الوزراء والعلماء والخطاطين والشعراء والجنود والناس العاديين. وكانت الجنازات تصعد هذا الدرب نفسه، والرجال يحملون التابوت على أكتافهم بالتناوب، لأن حمل الجنازة عندهم أجر لا يريد أحد أن يفوته. والمقبرة ليست أثراً ميتاً، بل مكان حي تأتيه الأسر في الأعياد لتزور موتاها وتقرأ الفاتحة وتسقي الزهور.

    تمهل في الصعود، والتفت إلى الخلف بين حين وآخر: سترى قبة جامع أيوب تصغر تحتك، والخليج يتسع، والمدينة البعيدة تظهر في الأفق. وفي أعلى التل، حيث ينتهي الدرب، مقهى صغير ارتبط اسمه بروائي فرنسي أحب إسطنبول. وإن تعبت، فهناك أيضاً عربة التلفريك التي تصعد فوق القبور، وخذ معك ماء إن كان النهار حاراً.

  10. 10. تل بيير لوتي: مقهى الروائي فوق القرن الذهبي

    Merkez, Balmumcu Sk., 34050 Eyüpsultan/İstanbul, Türkiye

    وصلت إلى القمة، فاجلس إن شئت على كرسي في المقهى، واطلب كوب شاي، وانظر أمامك: القرن الذهبي ممدود تحتك كشريط فضي، تنحني ضفتاه بين التلال، وفي البعيد قباب المدينة القديمة ومآذنها. هذا تل بيير لوتي، ومنه واحد من أجمل المناظر في إسطنبول.

    بيير لوتي اسم مستعار لضابط بحري فرنسي اسمه جوليان فيو، جاء إلى إسطنبول شاباً سنة 1876، فأحبها حباً لم يفارقه طوال حياته. وكتب روايته الأولى عزيادة، عن قصة حب بين ضابط أوروبي وامرأة من نساء المدينة، ونشرها سنة 1879 فصنعت شهرته. وقد عاد إلى إسطنبول مرات عديدة في حياته، وكان يتجول في أحيائها بلباس عثماني ويحاول تعلم التركية. ويقول الناس إن الرواية تحكي شيئاً من تجربته الحقيقية، وإن كان من الصعب أن نعرف أين تنتهي الحقيقة ويبدأ الخيال.

    وتقول الحكاية إن لوتي كان يصعد إلى هذا التل ليجلس في مقهى صغير بين القبور، يتأمل الخليج ويكتب ويتذكر. لا يملك أحد سجلاً دقيقاً لزياراته، لكن المقهى حمل اسمه منذ زمن طويل، وصار الناس يأتون ليجلسوا حيث يظنون أنه جلس. إنها قوة الأدب: كاتب أجنبي واحد غير اسم تل في مدينة عمرها آلاف السنين. والمقهى اليوم مكان شعبي يقصده الأتراك والعرب والسياح، يشربون الشاي في أكواب صغيرة نحيلة الخصر، ويلتقطون الصور مع الغروب.

    وكان لوتي في حياته مدافعاً متحمساً عن الأتراك في الصحافة الفرنسية، في زمن كانت فيه أوروبا تصف الدولة العثمانية بالرجل المريض. وقد حول بيته في فرنسا إلى ما يشبه متحفاً للشرق، فيه غرفة تركية وقاعة على هيئة مسجد صغير مزين بالبلاط. ولهذا أحبه كثير من الأتراك، وتجد اسمه اليوم على مقهى وفندق وشارع في المدينة. لكن قراءته اليوم تحتاج إلى عين ناقدة، فنظرته إلى الشرق كانت ممزوجة بالحنين والخيال الاستشراقي في آن واحد.

    اشرب شايك على مهل، واستمع إلى صوت الأذان حين يصعد من الوادي، يتردد من جامع إلى جامع على ضفتي الخليج. ثم انزل من الطرف الآخر للتل نحو الشمال الشرقي، في الطريق الهابط إلى الشاطئ، فهناك تنتظرك المحطة الأخيرة: تكية للدراويش المولوية على حافة الماء.

  11. 11. تكية بهارية المولوية: دوران الدراويش على حافة الماء

    Merkez, Silahtarağa Cd., 34050 Eyüpsultan/İstanbul, Türkiye

    أمامك على شاطئ الخليج مجمع قديم هادئ، بقاعة واسعة ذات نوافذ كثيرة، وحديقة صغيرة قد ترى فيها شواهد قبور تعلوها قلانس طويلة مخروطية. إن رأيت تلك القلنسوة فأنت تعرف أين أنت: هذه تكية مولوية، أي بيت لأتباع الطريقة التي تنتسب إلى جلال الدين الرومي في قونية. وهذه تكية بهارية، آخر محطات نزهتك.

    أسست هذه التكية في عهد السلطان سليم الثالث، في أواخر القرن الثامن عشر، وكان السلطان نفسه محباً للطريقة المولوية، وموسيقياً بارعاً ألف قطعة كاملة من موسيقى السماع المولوي ما زالت تُعزف. ولعلك تذكر أنك رأيت قبل قليل مجمع أمه مهرشاه سلطان قرب الجامع: الأم بنت مطبخاً للفقراء، والابن رعى بيتاً للموسيقى والذكر. وكانت التكايا المولوية في إسطنبول أماكن للموسيقى والأدب والخط أيضاً، يلتقي فيها الشعراء والموسيقيون ورجال الدولة.

    والسماع المولوي، أو رقصة الدراويش الدائرين كما يسميها الغرب، طقس مدهش: يقف الدراويش في ثيابهم البيضاء الطويلة وقلانسهم العالية، ويبدأ الطقس بانحناءة متبادلة، ثم يخلعون عباءاتهم السوداء، رمز القبر، فتظهر الثياب البيضاء، رمز الكفن والولادة الجديدة، ثم يدورون حول أنفسهم، اليد اليمنى مرفوعة نحو السماء، واليسرى متجهة نحو الأرض، كأنهم يأخذون من السماء ويعطون الأرض. ترافقهم الناي والطبول وأبيات الرومي، والدوران عندهم ليس رقصاً، بل ذكر وتأمل في حركة الكون.

    وفي سنة 1925 أغلقت الجمهورية التركية التكايا والزوايا الصوفية كلها بقانون واحد، فتوقف السماع في هذه التكية وفي غيرها، وتحولت مبان كثيرة إلى استعمالات أخرى أو أهملت، وتآكلت جدرانها مع الرطوبة والسنين. وبعد عقود عاد السماع ليُقدَّم في القاعات والمراكز الثقافية، وأدرجته اليونسكو ضمن التراث الثقافي غير المادي للإنسانية، لكن صدى تلك الأمسيات على ضفاف الخليج بقي في الذاكرة.

    وهنا تنتهي نزهتك. بدأت عند جامع الدفتردار ومصنع الطرابيش، ومررت بقبور الوزراء والسلاطين، ووقفت عند مقام صحابي جاء من المدينة المنورة ليرقد عند أسوار القسطنطينية، ثم صعدت بين الشواهد إلى تل الكاتب الفرنسي، ونزلت إلى بيت الدراويش. في أيوب تلتقي المدينة المنورة وقونية وإسطنبول على ضفة واحدة... ورصيف العبارات ومحطة التلفريك ليسا بعيدين إن أردت العودة.