لندن الملكية: أسرار القصور والحدائق من قصر باكنغهام إلى هايد بارك

جولة راقية سيراً على الأقدام بين ردهات الحكم البريطاني وملاذات الطبيعة الملكية الخلابة

London · 7 stops · 17 دقيقة صوتية · Generated

  1. 1. قصر باكنغهام — شرفة الملوك السبعة ورمز التاج البريطاني

    Buckingham Palace, London SW1A 1AA

    انظر إلى هذا القصر المهيب الممتد أمامك بسياجه الأسود المذهب وتيجانه البراقة وحراسه ذوي السترات الحمراء الزاهية وقبعات الفراء الشاهقة. قصر باكنغهام ليس مجرد مقر ملكي تقليدي، بل هو النبض الحي للتاج البريطاني منذ قرابة قرنين من الزمان، والشاهد على أحداث غيرت مجرى الإمبراطورية.

    بدأت قصة هذا المكان كبيت ريفي كبير شيده دوق باكنغهام عام ألف وسبعمائة وثلاثة، قبل أن يشتريه الملك جورج الثالث عام ألف وسبعمائة وواحد وستين لزوجته الملكة شارلوت ليكون ملاذاً عائلياً هادئاً بعيداً عن صخب البلاط، وعرف آنذاك ببيت الملكة. ولكن التحول الكبير حدث مع اعتلاء الملكة فيكتوريا العرش عام ألف وثمانمائة وسبعة وثلاثين، حيث اختارت هذا القصر مقراً رسمياً ودائماً للملكية البريطانية في لندن، لتصبح أول حاكم يقيم فيه رسمياً.

    حين تتأمل واجهة القصر الشرقية، تأمل تلك الشرفة الشهيرة الواقعة في منتصفها تماماً، فمنذ أن أطلت منها الملكة فيكتوريا لأول مرة عام ألف وثمانمائة وواحد وخمسين خلال افتتاح المعرض العالمي الكبير، تحولت هذه الشرفة إلى مسرح لأعظم اللحظات التاريخية، حيث وقف عليها سبعة ملوك متتالين لتحية الملايين في أوقات الانتصارات والزفاف الملكي والأعياد الوطنية.

    هل تساءلت يوماً وأنت تقف هنا إن كان الملك موجوداً داخل القصر في هذه اللحظة؟ الإجابة ترفرف في السماء فوق السطح مباشرة. إذا رأيت الراية الملكية الصفراء والحمراء، فهذا يعني أن جلالة الملك يباشر مهامه داخل هذه الجدران الآن. أما إذا كانت راية الاتحاد البريطانية التقليدية هي المرفوعة، فالملك في مقر آخر أو يقضي عطلته في قلعة وندسور أو بالمورال.

    يضم القصر سبعمائة وخمس وسبعين غرفة، من بينها تسعة عشر جناحاً ملكياً رسمياً وثمانية وسبعون حماماً، وتخدمه شبكة ممرات سرية وقاعات استقبال استضافت عبر السنين قادة العالم وملوك الشرق وسلاطينه في ولائم فخمة تعبق بالتاريخ.

    ورغم كل هذه الحراسة المشددة، شهد القصر واحدة من أجرأ حوادث التسلل في صيف عام ألف وتسعمائة واثنين وثمانين، حين نجح رجل يدعى مايكل فيغان في تسلق المزاريب والوصول مباشرة إلى غرفة نوم الملكة إليزابيث الثانية، وجلس يتحدث معها لنحو عشر دقائق في ذهول متبادل قبل وصول الحراس.

    اليوم، تحيط بالقصر حديقة خاصة تمتد على مساحة تسعة وثلاثين فداناً، تضم بحيرة خاصة ومئات الأنواع من النباتات النادرة، مشكلة واحة خضراء ملكية في قلب إحدى أكثر عواصم العالم حيوية.

  2. 2. بحيرة سانت جيمس وطيور البجع الملكية المهداة من السفير الروسي

    St James's Park, London SW1A 2BJ

    قف هنا لدقيقة وتأمل بريق مياه البحيرة الهادئة وانعكاس أشجار الصفصاف الفاتنة، بينما تتهادى أسراب طيور البجع الأبيض الضخمة فوق سطح الماء برقة متناهية. أنت تقف الآن في حديقة سانت جيمس، أقدم الحدائق الملكية الثماني في لندن، والتي تحولت عبر القرون من مجرد أراض مستنقعية كان يصيد فيها الملك هنري الثامن عام ألف وخمسمائة واثنين وثلاثين إلى واحدة من أجمل واحات الهدوء والاسترخاء في العاصمة البريطانية.

    عندما استعاد الملك تشارلز الثاني عرشه في القرن السابع عشر، أمر بإعادة تصميم الحديقة مستلهماً الطراز الملكي الفرنسي لبساتين فرساي الفخمة، وفتح أبوابها للعامة لتصبح متنفساً شعبياً أنيقاً يجمع أفراد الطبقة الراقية والزوار من شتى أصقاع الأرض.

    ولكن هل لاحظت تلك الطيور البيضاء الضخمة ذات المناقير البرتقالية العريضة التي تحظى بمعاملة ملكية استثنائية؟ قصتها تعود إلى صيف عام ألف وستمائة وأربعة وستين، حين قدم السفير الروسي ميخائيل بروزوروفسكي زوجاً من طيور البجع الأبيض كهدية دبلوماسية نادرة للملك تشارلز الثاني.

    المذهل في الأمر أن هذا التقليد التاريخي لم ينقطع قط منذ أكثر من ثلاثة قرون وستين عاماً، إذ تعاقبت أجيال البجع الملكي على هذه البحيرة جيلاً بعد جيل برعاية ملكية رسمية مستمرة، حيث يتناولون وجباتهم اليومية من الأسماك الطازجة في تمام الساعة الثانية والنصف ظهراً تحت أنظار المتنزهين وسياح المدينة.

    انظر عبر مياه البحيرة نحو تلك الجزيرة الصغيرة المعروفة بجزيرة البط، وستلمح كوخاً خشبياً ساحراً يعود إلى العصر الفيكتوري شيد عام ألف وثمانمائة وواحد وأربعين ليكون مقراً لحارس الطيور الملكية.

    وكان من طرائف هذا الكوخ الأنيق أن حارسه لم يكن يرعى الطيور فحسب، بل كان يستقبل أحياناً شخصيات سياسية بارزة تلجأ إلى هدوء الجزيرة لعقد محادثات سرية بعيداً عن صخب البرلمان ومكاتب الحكومة في وستمنستر.

    تعتبر هذه الضفاف اليوم الملاذ المفضل للعائلات والزوار القادمين من شتى أنحاء العالم وخاصة زوار الخليج العربي الباحثين عن نسيم الصيف العليل بين ظلال الأشجار المعمرة. وإذا تقدمت قليلاً نحو الجسر الأزرق الشهير في منتصف الحديقة، ستشهد إحدى أروع الإطلالات البانورامية في لندن؛ حيث يتراءى لك قصر باكنغهام غرباً من بين فروع الأشجار المورقة، بينما تبرز أبراج وايت هول ووزارة الخارجية شرقاً في تناغم بصري بديع يجمع عراقة السياسة بسحر الطبيعة الإنجليزية.

  3. 3. طريق المواكب الملكية وقصر كلارنس التاريخي

    Clarence House, 8 Cleveland Row, St. James's, London SW1A 1BA

    تأمل هذا الشارع الفسيح الممتد أمامك بلونه الأحمر القاني المميز، وكأنه سجادة حمراء عملاقة بسطت للمواكب الملكية من ميدان الطرف الأغر وحتى بوابات باكنغهام. هذا هو طريق ذا مول، الشريان الاحتفالي الأبرز في بريطانيا، الذي صممه المعماري السير أستون ويب مطلع القرن العشرين ليكون مساراً مهيباً تسير فوقه الخيول الملكية والعربات المذهبة في حفلات التتويج واليوبيل والأعراس الملكية الكبرى.

    اللون الأحمر للأسفلت ليس مجرد صبغة تزيينية عادية، بل تم اختياره بعناية فائقة ليعطي إيحاءً بصرياً بسجادة حمراء ملكية تمتد لنحو كيلومتر كامل، تصطف على جانبيها أشجار الدلب اللندنية الباسقة والأعلام البريطانية وأعلام الدول الشقيقة في الزيارات الرسمية لملوك وقادة العالم.

    في هذا الشارع تتجلى الهيبة البريطانية في أبهى صورها حين تعبر طوابير حرس الشرف بفرسانها وخيولها المهيبة، حيث يحرص زوار العاصمة من كل مكان، وخصوصاً العائلات العربية في موسم الصيف، على التقاط الصور التذكارية بجوار هذا المسار الأسطوري.

    انظر الآن إلى جهة اليمين لتلمح قصر كلارنس الأنيق، ذلك المبنى الكلاسيكي المشيد من الجص الأبيض الفاتح والمحاط بحديقة غناء وارفة الظلال. بني هذا القصر بين عامي ألف وثمانمائة وخمسة وعشرين وألف وثمانمائة وسبعة وعشرين على يد المعماري الشهير جون ناش لصالح الأمير ويليام هنري، دوق كلارنس، الذي أصبح لاحقاً الملك ويليام الرابع.

    وقد ارتبط هذا القصر ارتباطاً وثيقاً بقلوب البريطانيين لعقود طويلة؛ إذ كان المقر المحبوب للملكة إليزابيث الملكة الأم لما يقارب نصف قرن حتى وفاتها عام ألفين واثنين، وظلت أبوابه مفتوحة لحفلات الشاي واللقاءات الودية مع كبار زوار المملكة.

    على النقيض تماماً من أبهة قصر باكنغهام وبروتوكولاته الصارمة، يعتبر قصر كلارنس المقر الأكثر دفئاً وحميمية في لندن الملكية، وقد اختاره الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا مقراً رئيسياً لإقامتهما وعملهما الخاص لسنوات طويلة، حيث ملأ الملك أروقته بروائع الفن واللوحات التاريخية النادرة وحديقته بنباتات عضوية يشرف على رعايتها بنفسه.

    وإذا نظرت خلف قصر كلارنس مباشرة، ستلمح الأبراج الحجرية الحمراء لقصر سانت جيمس التاريخي الذي شيده الملك هنري الثامن في القرن السادس عشر، لتجد نفسك في بقعة استثنائية تختزل أكثر من خمسة قرون من أسرار العرش والتقاليد الملكية العريقة في قلب العاصمة.

  4. 4. الحديقة الملكية بدون زهور وبوابة كندا الذهبية التذكارية

    Canada Gate, Green Park, London SW1A 1AA

    لاحظ هذه البوابة الذهبية الشاهقة أمامك مباشرة بتفاصيلها الحديدية الدقيقة ونقوش شعارات المقاطعات الكندية المذهبة التي تتلألأ تحت أشعة الشمس. هذه هي بوابة كندا التذكارية، التي شيدت عام ألف وتسعمائة واثني عشر كهدية ملكية من كندا لتكون المدخل الجنوبي المهيب لحديقة غرين بارك وجزءاً مكملاً للنصب التذكاري للملكة فيكتوريا.

    بمجرد عبورك من تحت هذه البوابة، ستدخل عالماً مختلفاً تماماً؛ مساحة خضراء شاسعة تمتد على أربعين فداناً، تتميز بهدوئها الآسر وأشجار الدلب والبلوط القديمة التي توفر ظلالاً وارفة يلوذ بها عشاق الطبيعة والباحثون عن السكينة بين حي مايفير الراقي وقصر باكنغهام.

    ولكن إذا أمعنت النظر في أرجاء غرين بارك، هل لاحظت سراً يفرقها عن سائر حدائق لندن الملكية؟ الحديقة خالية تماماً من أحواض الزهور المنسقة! لا ورود، لا زنابق، بل مجرد بساط عشبي ممتد وأشجار عتيقة، باستثناء ملايين زهور النرجس البرية التي تنبت بتلقائية طبيعية مع مطلع كل ربيع.

    وراء هذا الغياب التام لأحواض الزهور قصة غيرة ملكية طريفة يتداولها مؤرخو لندن. يقال إنه في القرن السابع عشر، لمحت الملكة كاثرين، زوجة الملك تشارلز الثاني، زوجها يقطف باقة من الزهور سراً من هذه الحديقة بالذات ليقدمها لإحدى عشيقاته في البلاط الملكي. فاستشاطت الملكة غضباً وأمرت خدم القصر باقتلاع كل زهرة في الحديقة فوراً، وحظرت إعادة زراعة أي أحواض زهور فيها إلى الأبد!

    وهكذا تحولت نوبة غيرة زوجية عاصفة إلى سمة بصرية دائمة استمرت لأكثر من ثلاثمائة عام، مانحة المكان هويته الخضراء الخالصة التي اشتق منها اسمه: غرين بارك، أي الحديقة الخضراء.

    لم تكن الحديقة دائماً بهذه السكينة، ففي القرن الثامن عشر كانت مسرحاً لمبارزات الشرف السرية بين النبلاء فجراً بالسيوف والمسدسات، كما شهدت عام ألف وسبعمائة وتسعة وأربعين إطلاق أكبر عرض للألعاب النارية الملكية احتفاء بمعاهدة السلام الأوروبية، حيث عزف الموسيقار العالمي هاندل مقطوعته الشهيرة موسيقى الألعاب النارية الملكية هنا بالذات.

    اليوم، أصبحت غرين بارك المقصد المفضل للزوار والعائلات القادمة من دول الخليج العربي خلال صيف لندن، حيث يستأجر المتنزهون الكراسي القماشية المخططة تحت ظلال الأشجار العتيقة للاستمتاع بالأجواء المنعشة بعيداً عن صخب شوارع العاصمة المزدحمة.

  5. 5. قوس ولنجتون التاريخي وتمثال النصر فوقه

    Wellington Arch, Apsley Way, Hyde Park Corner, London W1J 7JZ

    قف هنا عند قاعدة هذا القوس الحجري الشامخ وتأمل تمثال البرونز الهائل لعربة النصر الحربية التي تعلو قمته وتكاد تلامس عنان السماء. هذا هو قوس ولنجتون التذكاري، الذي صممه المعماري ديسيموس بيرتون عام ألف وثمانمائة وثمانية وعشرين ليكون بوابة نصر كلاسيكية تحتفي بانتصارات بريطانيا في الحروب النابليونية، ومدخلاً فخماً يربط بين حدائق القصر الملكي ومدخل العاصمة الغربي.

    في الأصل، شيد القوس في موقع أقرب إلى قصر باكنغهام، ولكن مع توسع حركة المرور في لندن الفيكتورية، جرى تفكيك القوس الحجري حجراً حجراً ونقله بدقة هندسية بالغة عام ألف وثمانمائة وثلاثة وثمانين إلى هذا الموقع الاستراتيجي عند زاوية هايد بارك.

    وقبل وضع التمثال الحالي، كان يعلو القوس تمثال ضخم ومثير للجدل لدوق ولنجتون يمتطي جواده، وهو تمثال اعتبرته الملكة فيكتوريا قبيحاً للغاية وتمنت إزالته، حتى نقل أخيراً إلى بلدة ألدرشوت العسكرية لإفساح المجال للتحفة الفنية التي تراها اليوم.

    حين ترفع بصرك نحو قمة القوس، تأمل تمثال عربة النصر الرباعية التي يقودها ملاك السلام؛ هذا التمثال البرونزي الضخم الذي أبدعه النحات أدريان جونز ووضع هنا عام ألف وتسعمائة واثني عشر، هو في الواقع أضخم منحوتة برونزية في قارة أوروبا بأسرها، وتزن أكثر من أربعين طناً!

    ولكن هل يمكنك تخمين ما الذي كان يختبئ داخل جدران هذا القوس الحجري الصماء لعدة عقود؟ المفاجأة التي لا يعرفها معظم المارة هي أن هذا القوس كان يضم أصغر مركز شرطة في تاريخ لندن بأسرها!

    فمنذ عام ألف وثمانمائة وستة وثمانين وحتى منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، كان داخل الصرح مركزاً أمنياً صغيراً يعمل فيه ضابطان ورقيب واحد لحراسة هذا التقاطع الحيوي بين مايفير وبيلغريفيا وهايد بارك، وكانوا يستخدمون السلالم الحلزونية الداخلية للصعود ومراقبة حركة الشوارع المحيطة من شرفة القوس العلوية.

    تعتبر ساحة هايد بارك كورنر المحيطة بالقوس نقطة التقاء تاريخية استثنائية تجمع أرقى أحياء لندن؛ فمن هنا تبدأ حدود مايفير الفارهة شمالاً وبيلغريفيا بقصورها وسفاراتها جنوباً، مما يجعل التوقف عند هذا المعلم محطة بصرية واستراحة تاريخية ملهمة لكل زائر يقدر عظمة العمارة الكلاسيكية وروعة التحولات المدنية في لندن.

  6. 6. منزل آبسلي، قصر دوق ولنجتون الأسطوري

    Apsley House, 149 Piccadilly, Hyde Park Corner, London W1J 7NT

    انظر إلى هذا القصر الكلاسيكي الأنيق القائم أمامك بواجهته الحجرية الفاخرة المشيدة من حجر باث الذهبي، والتي تستقبل القادمين من الطرف الغربي للمدينة. هذا هو منزل آبسلي، المعروف في الذاكرة الشعبية والبريدية البريطانية بلقب رقم واحد، لندن، لأن المسافرين القادمين قديماً بعربات الخيل من خارج العاصمة عبر الريف الغربي كانوا يصادفونه كأول عنوان سكني فور تجاوز بوابة تحصيل الرسوم في هذا المدخل الحيوي.

    بني القصر في الأصل في سبعينيات القرن الثامن عشر على يد المعماري روبرت آدم لصالح البارون آبسلي، لكن شهرته العالمية المدوية بدأت عام ألف وثمانمائة وسبعة عشر حين اشتراه آرثر ويلزلي، الدوق الأول لولنجتون، بعد انتصاره الحاسم على الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت في معركة واترلو الخالدة.

    قام الدوق بتوسيع القصر وإضافة قاعة واترلو الفسيحة التي تبلغ من الطول ثمانية وعشرين متراً، حيث كان يقيم فيها مأدبة سنوية فاخرة في الثامن عشر من يونيو من كل عام، يدعو إليها كبار قادته العسكريين الذين شاركوا في الانتصار التاريخي على نابليون.

    ولكن هل تعلم ما هي أغرب تحفة فنية يحتفظ بها هذا القصر حتى اليوم؟ إنها تقف في بهو الدرج الداخلي، حيث يعترض طريق الزوار تمثال رخامي هائل يتجاوز ارتفاعه ثلاثة أمتار ونصف للإمبراطور نابليون بونابرت نفسه مجرداً من الثياب على هيئة إله الحرب مارس!

    هذا التمثال الأسطوري نحته الفنان الإيطالي العبقري أنطونيو كانوفا، واشترته الحكومة البريطانية لتهديه إلى ولنجتون، فقرر الدوق بلمسة داهية من السخرية والاعتزاز وضعه في مدخل بيته الخاص ليمر بجواره يومياً كلما صعد إلى مخدعه!

    يضم القصر اليوم واحدة من أروع مجموعات الفن في بريطانيا، بما في ذلك لوحات نادرة لفنانين عالميين مثل فيلاسكيز وروبنز وغويا، إلى جانب أطقم فضية ملكية وخزفية فاخرة أهدتها ملوك أوروبا المحررة إلى الدوق تقديراً لدوره الحاسم.

    والمثير للإعجاب أن منزل آبسلي ليس مجرد متحف مفتوح للعامة تشرف عليه هيئة التراث الإنجليزي، بل لا يزال حتى يومنا هذا مقراً سكنياً خاصاً لعائلة ويلزلي العريقة، حيث يقيم الدوق التاسع الحالي لولنجتون في شقق خاصة بالأدوار العلوية، محافظاً على هذا الإرث الأرستقراطي الحي في قلب لندن.

  7. 7. بحيرة السربنتين في قلب هايد بارك الخالد

    The Serpentine Bridge, Hyde Park, London W2 2UH

    قف هنا على حافة الجسر وتأمل هذا المشهد الساحر لامتداد مياه بحيرة السربنتين، حيث تلتقي زرقة الماء الرقراق بالخضرة النضرة لأشجار هايد بارك الخالدة وتطفو قوارب التجديف البيضاء كأنها لوحة فنية بديعة تنبض بالحياة. أنت تقف الآن فوق جسر السربنتين الحجري الذي شيده المهندس جورج ريني عام ألف وثمانمائة وستة وعشرين، وهو الحد الفاصل الدقيق بين هايد بارك من جهة الشرق وحدائق كنسينغتون الملكية من جهة الغرب.

    تعود جذور هايد بارك إلى عام ألف وخمسمائة وستة وثلاثين حين استحوذ الملك هنري الثامن على هذه الأراضي الفسيحة من دير وستمنستر ليجعل منها محمية ملكية خاصة لصيد الغزلان والطرائد. ولكن المكان تحول إلى فضاء عام متاح للجميع بفضل الملك تشارلز الأول عام ألف وستمائة وسبعة وثلاثين، ليصبح القلب الأخضر النابض للندن ورمز حريتها العامة.

    غير أن الإبداع المائي الحقيقي الذي تراه أمامك ولد في ثلاثينيات القرن الثامن عشر، فهل تعرف كيف ظهرت هذه البحيرة إلى الوجود؟ الفضل يعود للملكة كارولين، زوجة الملك جورج الثاني، التي أمرت عام ألف وسبعمائة وثلاثين بحجز مياه نهر وستبورن الصغير لإنشاء هذه البحيرة، لكنها أحدثت ثورة جمالية غيرت تاريخ تصميم الحدائق العالمية.

    فبدلاً من تصميم بحيرة مستقيمة هندسياً على الطراز الفرنسي الصارم كما كان متبعاً في قصور أوروبا، طلبت الملكة تشكيل ضفاف البحيرة بخطوط منحنية انسيابية تشبه تموجات الأفعى السربنتينية، وهو ما ألهم حركة تصميم الحدائق الطبيعية التي غزت أوروبا والعالم تحت اسم الطراز الإنجليزي الخالص.

    وعلى مقربة من هذا الجسر، شهدت ضفاف البحيرة أحداثاً خالدة؛ ففي صيف عام ألف وثمانمائة وواحد وخمسين أقيم المعرض العالمي الكبير داخل قصر الكريستال الأسطوري، كما ألهمت هذه البحيرة وضفافها المجاورة الكاتب جيمس باري لابتكار شخصية بيتر بان الخيالية الشهيرة التي تتوسط منحوتتها حدائق كنسينغتون الملاصقة.

    واليوم، بينما تداعب نسمات الصيف العليلة مياه السربنتين وتتهادى أسراب الإوز والبجع والطيور المائية النادرة بين قوارب التجديف، يجد المتنزهون والعائلات القادمة من دول الخليج العربي متعة لا تضاهى في الجلوس على المقاعد الخضراء واحتساء الشاي الإنجليزي في المقاهي الشاطئية، مستمتعين بأجواء الطبيعة الخلابة ونسيم الماء العليل في قلب عاصمة الضباب.