إسطنبول التاريخية: من عظمة آيا صوفيا وميدان السلطان أحمد إلى سحر البوسفور

جولة تاريخية وروحانية في قلب عاصمة الإمبراطوريات—من قباب آيا صوفيا والمسجد الأزرق إلى بازار التوابل وجسر غلطة على مياه المضيق

Istanbul · 7 stops · 9 دقيقة صوتية · Generated

  1. 1. ميدان السلطان أحمد وآيا صوفيا: صرح العصور وقبلة التاريخ

    Sultan Ahmet, Ayasofya Meydanı No:1, 34122 Fatih/İstanbul, Turkey

    قف في قلب ميدان السلطان أحمد وارفع بصرك نحو القبة الفسيحة لآيا صوفيا التي تبدو وكأنها معلقة بسلاسل ذهبية تنحدر مباشرة من عنان السماء. تأمل تدرج القباب النصفية وجدران القرميد الوردي التي صمدت أمام الزلازل والحروب على مدى خمسة عشر قرناً من الزمان، متوجة بأربع مآذن عثمانية شامخة تحرس هذا الصرح التاريخي العظيم في مشهد يأسر قلوب الملايين من زائري مدينة القسطنطينية القديمة.

    أمر الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول بتشييد هذه التحفة في عام خمسمائة وسبعة وثلاثين للميلاد، وأنجز بناؤها في خمس سنوات فقط بفضل عبقرية عالمي الهندسة إيزيدور وميليتوس. وعندما دخلها جستنيان لأول مرة مبهوراً بفخامتها وفسيفسائها الذهبية، هتف بعبارته الشهيرة: يا سليمان، لقد تفوقت عليك.

    بعد فتح المدينة في عام ألف وأربعمائة وثلاثة وخمسين على يد السلطان محمد الفاتح، أدى فيها أول صلاة جمعة وحافظ بعناية على تحفها، حيث تلتقي اليوم الآيات القرآنية المذهبة بخط الخطاط العثماني قاضي عسكر مصطفى عزت مع النقوش والفسيفساء البيزنطية العريقة في تناغم حضاري استثنائي.

    اعبر الحديقة الغناء ذات النوافير المائية العذبة متوجهاً نحو القباب الفيروزية للمسجد الأزرق المقابل.

  2. 2. المسجد الأزرق (جامع السلطان أحمد): سيمفونية الخزف والمآذن الست

    Sultan Ahmet, Atmeydanı Cd. No:7, 34122 Fatih/İstanbul, Turkey

    ادخل من البوابة الحجرية العالية إلى الصحن الرخامي الفسيح لمسجد السلطان أحمد، المعروف عالمياً باسم المسجد الأزرق. ارفع نظرك لتتأمل التدرج البديع للقباب السابحة في الضوء والمآذن الست الرشيقة التي تعانق السماء، حيث كان هذا الجامع أول مسجد عثماني ينافس المسجد الحرام في مكة المكرمة في عدد مآذنه، مما استدعى حينها إضافة مئذنة سابعة للمسجد الحرام إجلالاً وتكريماً لمكانته الشريفة.

    صمم المسجد المعماري المبدع صدفكار محمد آغا، تلميذ المعمار سنان الأكبر، بأمر من السلطان أحمد الأول بين عامي ألف وستمائة وتسعة وألف وستمائة وستة عشر، ليكون رداً معمارياً إسلامياً باهراً يجسد ذروة النضج الفني للإمبراطورية العثمانية في القرن السابع عشر.

    سمي المسجد بالأزرق بفضل ما يزيد على عشرين ألف بلاطة خزفية يدوية الصنع جُلبت من مدينة إزنيك التاريخية، مزدانة بنقوش زهور الزنبق والقرنفل وكروم العنب التي تضيء بنور سماوي أخاذ عندما تنفذ أشعة الشمس عبر مائتين وستين نافذة زجاجية ملونة.

    اخرج باتجاه الطرف الغربي للميدان لتهبط في عالم الأساطير الغامضة داخل صهريج البازيليك المائي.

  3. 3. صهريج البازيليك (القصر المغمور): قصر الأعمدة تحت الأرض

    Alemdar, Yerebatan Cd. 1/3, 34110 Fatih/İstanbul, Turkey

    اهبط الدرجات الحجرية الباردة لتغادر صخب إسطنبول وتدخل إلى العالم الخيالي لصهريج البازيليك، الملقب شعبياً بالقصر المغمور في باطن الأرض. يمتد أمامك فضاء شاسع ينبض بالغموض والسكينة، تسيل فيه قطرات الماء فوق منصات خشبية مضاءة بنور خافت، وتنعكس في مياهه الصافية غابة لا نهائية من ثلاثمائة وستة وثلاثين عموداً رخامياً بتيجان كورنثية وأيونية بديعة ترتفع لتسع أمتار في الظلام.

    شيد هذا الصهريج العملاق الإمبراطور جستنيان الأول في القرن السادس للميلاد لتأمين مخزون مائي استراتيجي لقصر القسطنطينية الإمبراطوري، إذ يتسع لنحو ثمانين ألف متر مكعب من المياه العذبة التي كانت تنقلها قنوات مائية معلقة من غابات بلغراد الواقعة على بعد عشرين كيلومتراً شمال العاصمة.

    سر إلى الزاوية الشمالية الغربية لترى أغرب أسرار المكان: قاعدتي عمودين نحتتا على هيئة رأس الميدوسا الأسطورية، إحداهما مقلوبة رأساً على عقب والأخرى مائلة على جانبها، في اعتقاد قديم لإبطال مفعول نظرتها السحرية التي تحول من ينظر إليها إلى صخر أصم.

    اصعد مجدداً إلى ضوء النهار وسر بمحاذاة خط الترامواي نحو أزقة البازار الكبير العريق.

  4. 4. البازار الكبير (كابالي تشارشي): متاهة التجارة والذهب والأسرار

    Beyazıt, 34126 Fatih/İstanbul, Turkey

    اعبر بوابة نور عثمانية المهيبة وادخل في عالم ألف ليلة وليلة داخل أروقة البازار الكبير، أو كابالي تشارشي كما يسميه أهل إسطنبول. تمتد أمامك شبكة مذهلة من ستين زقاقاً مقبباً ومغطى بالكامل، تلمع فيها واجهات المتاجر بالذهب والفضة، وتتدلى من سقوفها الملونة آلاف الفوانيس الزجاجية الشرقية، بينما تفوح روائح الجلود الطبيعية وخشب الصندل في كل ركن من أركان هذا السوق الأسطوري.

    تأسس هذا البازار بأمر مباشر من السلطان محمد الفاتح في عام ألف وأربعمائة وواحد وستين، بعيد فتح المدينة مباشرة، لتنشيط الحركة التجارية وتمويل صيانة آيا صوفيا. وقد كان هذا المجمع عبر مئات السنين البنك المركزي للإمبراطورية العثمانية والمركز المالي الأهم لطريق الحرير بين الشرق والغرب.

    لكل شارع في البازار اسم حرفة قديمة: شارع الصاغة، وشارع صانعي القبعات، وشارع النحاسين. ولا تزال خاناته الداخلية تحتفظ بورش سرية يتوارث فيها الحرفيون فنون صياغة الذهب ونقش المعادن يدوياً أباً عن جد منذ قرون طويلة.

    انحدر عبر سوق محمود باشا الشعبي المزدحم نزولاً نحو رائحة البهارات العطرة في السوق المصري المطل على القرن الذهبي.

  5. 5. السوق المصري (بازار التوابل): عاصمة النكهات وأعشاب الأناضول

    Rüstem Paşa, 34116 Fatih/İstanbul, Turkey

    ادخل تحت القوس الحجري الشامخ للسوق المصري عند مشارف ميدان إمينونو واستنشق العبير النفاذ لمئات الأنواع من التوابل الشرقية والأعشاب البرية. تتراص أمامك أهرامات متوهجة من الزعفران الإيراني الأحمر، والكمون الحلبي، والسماق، وحبات الهيل العطرة، إلى جانب قوالب الحلقوم التركي الملكي المحشو بالفستق العنتابي وماء الورد والرمان التي تغري كل عابر بالتذوق والشراء.

    شيد هذا السوق الفخم في عام ألف وستمائة وستين كجزء متمم لمجمع المسجد الجديد المجاور، وسمي بالسوق المصري لأن معظم التوابل والأعشاب والسلع النادرة كانت تأتي بحراً عبر السفن التجارية القادمة من القاهرة والإسكندرية عبر البحر الأبيض المتوسط.

    تأمل السقف المقوس المبني على شكل حرف إل باللاتينية: بنيت هذه المحلات الحجرية ببراعة هندسية عثمانية مقاومة للحرائق، وكانت أرباح إيجاراتها تخصص بالكامل للإنفاق على المدارس الخيرية والمستشفيات وإطعام الفقراء والمحتاجين في إسطنبول.

    اخرج إلى الرصيف البحري لميدان إمينونو لتشهد حركة العبارات المائية وسفن البوسفور تمخر عباب المضيق.

  6. 6. جامع رستم باشا: جوهرة الخزف المخفية على ضفاف القرن الذهبي

    Rüstem Paşa, Hasırcılar Cd. No:62, 34116 Fatih/İstanbul, Turkey

    اصعد الدرجات الحجرية الضيقة المخبأة بين دكاكين الحبال والأقمشة في شارع حصيرجيلار لتصل إلى شرفة جامع رستم باشا المرتفعة. بمجرد أن تدفع الباب الخشبي الثقيل، سيبهرك مشهد لا نظير له في العالم بأسره: جدران المسجد وقبابه وأعمدته ومحرابه مكسوة بالكامل بأفخر أنواع خزف إزنيك الملكي الذي يلمع كحديقة أبدية تفيض بزهور التيوليب والقرنفل وأشجار السرو الخضراء.

    صمم هذا الجامع الصغير العبقري معمار سنان في عام ألف وخمسمائة واثنين وستين للصدر الأعظم رستم باشا، زوج السلطانة مهرماه ابنة السلطان سليمان القانوني. ولأن رستم باشا كان من أغنى رجال الدولة العثمانية، فقد استثمر ثروته في استقدام أرقى فناني الخزف الذين استخدموا لأول مرة اللون الأحمر المرجاني البارز، وهو سر صناعي معقد لم يتكرر في أي مسجد آخر بتلك الكثافة المذهلة.

    انظر إلى ارتفاع المسجد: رفعه المعمار سنان فوق طابق من المتاجر والمستودعات الأرضية ليس فقط لحمايته من رطوبة مياه البحر المجاورة، بل ليضمن أن توفر إيجارات المتاجر الأرضية دخلاً مستمراً ومستقلاً لصيانة المسجد للأبد.

    انزل إلى الميدان واعبر نحو جسر غلطة التاريخي الواصل بين ضفتي القرن الذهبي.

  7. 7. جسر غلطة ومضيق البوسفور: شريان الصيد ولقاء القارتين

    Kemankeş Karamustafa Paşa, Galata Köprüsü, 34425 Beyoğlu/İstanbul, Turkey

    اخطُ فوق الرصيف الخشبي لجسر غلطة العريق وأمسك بالدرابزين الحديدي بينما تدور طيور النورس البيضاء في سماء القرن الذهبي. تصطف على طول الجسر قصبات صيد مئات الهواة الذين يلقون شباكهم وخيوطهم في المياه الزرقاء، بينما تمر أسفلك العبارات البحرية البيضاء مطلقة صفاراتها العميقة وهي تمخر عباب مياه مضيق البوسفور متجهة نحو الشطر الآسيوي لمدينة إسطنبول.

    يربط هذا الجسر الحيوي بين قلب إسطنبول التاريخي القديم في شبه جزيرة السلطان أحمد، وبين أحياء بيوغلو وغلطة الأوروبية الحديثة. وقد شهد الموقع بناء جسور خشبية متتالية منذ القرن التاسع عشر، حتى أن السلطان بايزيد الثاني استشار في عام ألف وخمسمائة واثنين الرسام الإيطالي العبقري ليوناردو دافنشي الذي رسم مخططاً هندسياً فريداً لجسر بقوس واحد للموقع ذاته.

    انزل إلى الطابق السفلي للجسر الممتلئ بمطاعم الأسماك التقليدية والمقاهي الشعبية، واجلس لتشرب كوباً من الشاي التركي الخمير في كأس استكان الزجاجي الكلاسيكي، بينما تغرب الشمس ببطء وراء مآذن وقباب جامع السليمانية في منظر شاعري لا ينسى.

    اختتم جولتك بالاستمتاع بنسيم البوسفور العليل، ملتقى قارتي آسيا وأوروبا ومهد الحضارات الخالدة.